تفتح ليلى السيّد في جديدها «كرز ومطر» وجهها شراعاً لتتحوّل مركباً عاشقاً يسلّم الريح أسرار الحبّ فتنثرها في ساحات القلوب كيفما اتّجهت. وها هي تشهر ضمير المخاطب من غمد لغتها وتقول لمن يهمّه الأمر: «قل لهم: إنّ الأرض تورِّث من شاءت عشقها / وقد شاءتني لحظة أقصيت خزائن حزني في أرضها»... فالأرض لم تعد للقمح والسنديان فقط، إنّما هي أيضاً تمنح ملكة الحبّ من تشاء، وهكذا يتبارك نسل الحبّ ويزيد، فيلد العاشق عشّاقاً مثلما يلد الأرز أرزاً والصخر صخراً: «لكأنّني أنجبتُ منك عشّاقاً، وأنجبتَ منّي إناثاً تطلب غوايتك»...

Ad

شجاعة هي ليلى السيّد، كصوت يطلع من صدر العاصفة فتدير ظهرها للصحراء وتتمرّد على قَدَر النساء اللواتي يُوأدْن في توابيت الرمل. والجسد عندها حاضر بكلّ ما فيه من جسد، مثلما الأنثى التي فيها حاضرة بكل ما فيها من أنثى. تمضي السيّد معتمرة نار الحبّ، طامحة إلى قراءة دفتر أنوثتها قبالة وجه رجل يضيء...

ولا تجد الشاعرة اكتمالاً إلاّ برجل يحبّ، لتكون هي الشجرة مشتاقة إلى ورق يُقطف من حبيب ويُعلَّق بأغصانها: «أنا شجرتك.../ والورق منك يُفصَّل/ فاقرأ تاريخ أغصاني». وإذا كان من مكان يليق بالعاشق فهو الحزن. الحزن مكان يتّسع لكلّ النساء.

احتراف الحزن

السيّد تحترف الحزن وترفع له راية على برج قصيدتها فتصير وريثة أحزان الآلهة، تلك الأحزان العملاقة التي لا تصل إلى نهايتها: «قلبي يا سيّدي حزين/ وأنا أرث أحزان (...)،/ أدجّج غرفي الأنثويّة بها.../... ومن اللافت أنّ السيّد تشدّ على يد خيالها فيعطيها الصورة بعد الأخرى، ولو أنّها ذات ضعف لبضع مفردات تتركها وتعود إليها بين نصّ وآخر.

ويبدو الديوان من ألفه إلى يائه نصّاً واحداً، رغم أنّ ترقيماً نصّيّاً يعلو الصفحات بلا عناوين. فهل نحن أمام ملحمة عشق؟! نعم، «كرز ومطر» ملحمة عاشقة، إلاّ أنّ العنوان يصير جزءاً من النصّ. ولا مقارنة بينه وبين الرقم الذي لا يقول أكثر من ذاته على انفصال تامّ عن الكلمة.

وتحت سحابة عشق حمراء، لا تنظر السيّد إلى سيّدها حين يسلّم نفسه لمتاهة الخيانة نظرة من تريد ثأراً، أو موقفاً كلاسيكيّاً يُختَصَرُ بكَسر الجرّة، إنّما تتمادى حبّاً ونزقاً، لأنها ترى سيّدها مُلك الوجود كلّه، مُلك النساء كلّهنّ: «تشتهيني القصائد... تشتهيك أرحام الخليقة»، فتطارده في نسائه من مكان إلى آخر.

وتتوق السيّد إلى كلمة من سيّدها تبني فيها قفير الفرح، فالسكوت شكل من أشكال زهر البكاء قادر على التسلّل إلى حرير الثوب: «سكوتِكَ زهرة نَوْح على جسدي،/ تخترق ثوبي الأزرق»... وتجنح أحياناً إلى لغة يطلع منها ضباب كثيف فيلتبس المعنى، ويعلق القارئ في شرك التأويل: «المكر في نارك بقية نار، والمكر فيّ فضيلة ماء». لا شكّ في أنّ جماليّة ما لمثل هذا التعارض، غير أنّ المعنى يتعثّر بظلّه، ويتأخّر الانفعال في الحضور لأنّ حصّة العقل من الكلام صارت أكبر ممّا يجب أن تكون...

زهرة الحياة

ومن الحبّ، عند السيّد، يعبق عطر هو نسج زهرة الحياة وزهرة الموت مجتمعتين، لتغدو الأسئلة نساء يرتدين الأسود، ويعبُرن حنجرة موشومة بالحزن: لا شيء ينقذ قلب عاشق: «تتجمّد الأسئلة/ تندفع في الحنجرة حِداداً»... وتكثر الخيبة رغم أنّ اللقاء ممكن على بساط الزمان والمكان، تلك الخيبة التي يجيد الحبّ صناعتها لأسباب لا يتّسع لها صندوق جهاز: «تتشابك أصابعنا/ تتشابك أحزاننا/ ثمّ/ نتيه في خيبة العشق». وليس بعد الخيبة سوى المجهول الذي تطلبه السيّد برغبة وكأنّه آتٍ على حصان غدٍ تغتسل السعادة بماء صهيله: أشتهي المجهول من رغبتينا».

وتفشل الشاعرة في بعض النصوص القصيرة جدّاً، فهي تلوذ بلغة تقريريّة على فراغ جماليّ، كما في قولها: «أشعر بأنفاسك تجتاحني، ولا مفرّ غير اللجوء إليك»، و{أتشبّث بذراعيك/ أنعم برغبة الحكاية/ أبدأ في إلغاء أحداث/ لا تبدأ بولعي»...

وتستمرّ السيّد في إبحارها العاشق، مُشرِكة المكان وأشياءه في حالة العشق، فالنوافذ يفتحها الموت حين لا عين تنظر منها إلى جنّة الحبّ: «هل النوافذ تلتفّ موتاً على ذاتها... حين لا تبصر عيناً عاشقة لمداها؟!»، وعند باب قلبها تنحني السيّد، وتمجّد الانحناء العاطفيّ، وتُلبس رَجُلها عباءة السيّد الشرقيّ وترتدي هي الجارية: «يا لله لم يغرب مركب حبيبي/ بعيداً عن جسد جاريته»...

والتعب لا مأوى له في قاموس الحبّ، والزمن كلّه بداية، فكأنّ مسيرة الحبّ الطويل تكرار لبدايته: «قل لمن يسألك عنّي/ إنّها نبيّة الرغبة/ والناي لمّا يزل يعزف أوّل أغنيتنا/ وغداً يأتي...».

وأجمل ما في حبّ السيّد أنّه حبّ يكتفي بذاته، ويستمرّ حيّاً بامرأة وذاكرتها فقط، لأنّ الرّجل السيّد يستوطن الذاكرة، وهو يقول كلمته ويمشي: «أنقرْ وصاياك على جسدي/ وامضِ/ شُدَّ سماءك فوق أرضي / وامضِ»...

في «كرز ومطر» زيّنت ليلى السيّد شجرة اللغة بقناديل عشقها، وتكرّرت في نصوص، وكانت جديدة في أخرى. وتميّزت بتذويب جسدها في المحبرة لينتقل مع كل قطرة حبر إلى سرير الورق.