قد يكون من الخطر أن تكون  عدواً للولايات المتحدة، ولكن في العقود الأخيرة تبين أن صداقتها على القدر ذاته من الخطورة تقريباً، فلنتذكر نغو دينه ديم، الرئيس الأول لفيتنام الجنوبية، الذي أطاح به جيشه واغتاله عام 1963، حين خسر الدعم الأميركي، أو آلاف العراقيين والأفغانيين الذين ساعدوا الجنود الأميركيين قبل عقد، إلا أنهم ما زالوا ينتظرون تأشيرة السفر ليتمتعوا بملجأ آمن في الولايات المتحدة، وهكذا تكون الحقيقة المؤسفة أن الولايات المتحدة عاملت مراراً حلفاءها السابقين كأدوات يمكن الاستغناء عنها.

Ad

تذكّرُ المأساة التي طالت هذه السنة كارلوس يوجينيو فيدس كازانوفا بما قد يحدث عندما يمر الوقت وينسى الأميركيون، كان الجنرال فيدس وزير دفاع السلفادور في حكومة خوسيه نابليون دوارتي في ثمانينيات القرن الماضي. كان دوارتي مفضلاً لدى الأميركيين وحظي بالكثير من الدعم من إدارة ريغان والديمقراطيين الذين فهموا التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد شمل ذلك رغبته في مهاجمة ميليشيات فارابوندو مارتي للتحرير الوطني، التي نالت الدعم من الجبهة الساندينية في كوبا ونيكاراغوا.

كانت انتهاكات حقوق الإنسان شائعة، عندما أصبح دوارتي رئيساً عام 1984: فقد تخطت عمليات القتل السياسي التي نفذها الجيش أو فرق القتل التابعة له الـ 800 في الشهر عام 1981، وفق تقرير نشره معهد راند كورب. بعد نحو عقد، وفي اعتداء مشين عام 1980 تعرضت أربع نساء كن ذاهبات للصلاة للاغتصاب والقتل على يد جنود الحرس الوطني، حين كان الجنرال فيدس قائد الحرس، لكن تحقيقين منفصلين (أحدهما أجرته الولايات المتحدة عام 1983 والآخر لجنة تقصي حقائق رسمية سيلفادورية أنشئت مع نهاية الحرب الأهلية عام 1992) استخلصا أن فيدس لم يؤدِّ أي دور في عمليات القتل هذه (مع أن التقرير الثاني أشار إلى أنه حاول تفاديها).

ساهم دوارتي وفيدس معاً في التقليل إلى حد كبير من عمليات القتل التي نفذتها فرق الموت، فانخفضت إلى 23 عملية في الشهر عام 1987، وفق تقرير صدر عن معهد تحليل السياسة الخارجية في السنة التالية، ويؤكد الدبلوماسيون الأميركيون في السلفادور خلال تلك الفترة أن شريك دوارتي الأساسي في الحد من الانتهاكات وكبح جماح الجيش كان الجنرال فيدس، فقد حاولت الطبقة الحاكمة اليمينية الثرية التقرب مراراً من الجيش، مقدمة له خططاً لانقلاب ضد دوارتي، غير أن الجنرال فيدس وكبار المسؤولين الموالين له حالوا دون ذلك.

انتقل فيدس إلى الولايات المتحدة عام 1989 لأن سلامته في السلفادور باتت مهددة، ويعيش منذ ذلك الحين في فلوريدا، وأولاده وأحفاده كلهم مواطنون أميركيون.

لكن قضيتين رُفعتا عام 1999 وجهتا إليه تهماً في المحاكم الأميركية، تقدمت بالدعوى الأولى عائلات النساء الأميركيات اللواتي قتلن وهن في طريقهن إلى الكنيسة، ولكن في عام 2000، أكدت هيئة محلفين فدرالية أن الجنرال فيدس لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن موت تلك النساء، أما الثانية فتقدم بها ثلاثة أشخاص هربوا من السلفادور بعد تعرضهم للتعذيب خلال الصراع الدائر، ولكن في عام 2002 اعتبرته هيئة المحلفين الفدرالية في هذه القضية مذنباً. فوفق نظرية "سلطة القيادة" (أي قائد الجيش)، يُعتبر في النهاية مسؤولاً عن أعمال نحو 55 ألف جندي ورجل شرطة.

لا شك أن مَن يتذكرون جهود الجنرال فيدس للحد من انتهاكات حقوق الإنسان في ثمانينيات القرن الماضي يعتبرون هذه الخلاصة ظالمة ومثيرة للضحك، ورغم ذلك اضطر فيدس إلى التخلي عن أصول بمئات آلاف الدولارات عندما أدانته المحكمة، لكن متهميه أرادوا أيضاً أن يُطرد من الولايات المتحدة، وفي سن السابعة والسبعين، هذا ما حدث معه.

حكم أحد قضاة الهجرة في 16 أغسطس 2012 أن من الضروري ترحيله وفق القوانين التي تنص على إجراء مماثل بحق منتهكي حقوق الإنسان، وفي 11 مارس 2015 رُفض استئناف فيدس الأول وأعطي مهلة 30 يوماً ليغادر. فقرر أن يترك الولايات المتحدة ويعود إلى السلفادور، في حين عمل محاموه على استئناف الدعوى.

لكن السماح له بالسفر في طائرة ركاب ليعود إلى وطنه، حيث كان أخوه ينتظر عودته، بدا أكثر نبلاً من أن تسمح به الحكومة الأميركية، فبعد أسبوعين أوقف فيدس حين كان يقود السيارة قرب منزله، واعتُقل وكُبلت يداه وساقاه، ونُقل إلى سجن للهجرة في جينا بلوس أنجليس، أما سيارته فتُركت على جانب الطريق، وبعد أيام من الشكوى من محاميه، أعيد إلى السلفادور في 8 أبريل على متن طائرة خاصة تابعة لوزارة الأمن القومي على نفقة دافعي الضرائب.

لو كان دوارتي على قيد الحياة للدفاع عن فيدس لكانت المعاملة التي تلقاها هذا الجنرال مختلفة، ولكن في عام 1990، بعد أشهر فقط من تركه منصبه، مات دوارتي متأثراً بمرض السرطان في مركز والتر ريد الطبي العسكري في العاصمة واشنطن، حيث سددت الحكومة الأميركية كل نفقة عنايته الطبية، نظراً إلى الجهود التي بذلها في التصدي للميليشيات الشيوعية وانتهاكات حقوق الإنسان، لكن فيدس عاش طويلاً ليرى أن شركاءه الأميركيين السابقين قد نسوا كل ما طلبوه منه وكل ما فعله من أجل الولايات المتحدة.

لا تكمن المشكلة هنا في القوانين الحديثة نسبياً التي تحرم منتهكي حقوق الإنسان من حق العيش في الولايات المتحدة، بل في واقع أن المسؤولين نسوا المخاطر التي فرضها أسلافهم على الآخرين، والظروف التي عملوا فيها، والديون التي يدينون بها لمن جعلوا نجاحات الولايات المتحدة ممكنة حول العالم. عاد فيدس إلى السلفادور، التي صارت اليوم ديمقراطية، علماً أن الفضل في ذلك يعود في جزء منه إلى جهوده في ثمانينيات القرن الماضي، فقد كان مستعداً حين احتاجت إليه الولايات المتحدة. لكن كل هذا حدث قبل زمن طويل، حتى إنه بات اليوم في نظر السلطات مجرد رجل مسن آخر له تاريخ مضطرب.

ولكل مَن ينال اليوم الوعود والمداهنة الأميركية، تمثل قصة فيدس (وهذا مؤسف بالتأكيد بالنسبة إلى الأمن القومي الأميركي) درساً تحذيرياً محزناً.

* إدوين جي. كور & إليوت أبرامز