القصيدةُ تندلعُ من فكرة، ليس فيها ملامحُ التجريد، التي تتميز بها عادةً الأفكار. فكرةٌ مرئيةٌ، لأنها تندلع على هيئة صورة (واقعية أو خيالية)، مشوبةٌ بعاطفة، لأنها كما يبدو قد صدرت عن عاطفة، ثم تجسّدت في صورة، وتعالتْ، عبر نظام موسيقي بالغ الرهافة، في فكرة. إنها أشبه بحزمة ضوء تُشكلها خيوط ملونة عدة. المصادر الأربعة: العقل، والمخيلة، والعاطفة والموسيقى، لا تنفردُ كلٌّ منها بذاتها في لحظة نادرة كهذه اللحظة، اللحظة الشعرية. بل تأخذ كلُّ واحدة صبغةَ الأخرى، تتواشجُ معها، تنضفِرُ، ثم تتوحد. في الحياة العملية حين يصرخ أحدنا مُستشاطاً، يرتفعُ ضغطُ الدم لديه، وتضطربُ أسلاك العصب فيرتجف، وتبتلُّ العينُ والأنف، وتنهمرُ المخيلةُ بحفنةِ صورٍ خاطفة. يحدث كلُّ هذا وأكثر عن غير إرادة. لو تبدَّت كلُّ هذه الأعراض في صورة لبدا الكائنُ في عين من يراه تكويناً غامضاً، غرائبياً، لا علاقة له بالواقع من قريب أو بعيد. ولذا تبدو القصيدةُ في وعي قارئها غامضةً وغرائبية، لأن اللغةَ فيها خرجت لحظةً عن طورها، وعن منطقها المعهود، وأصبحت لغةً أخرى، غيرَ لغة القاموس، غيرَ لغة النثر.

Ad

    هذا الأمرُ يستدعي موهبة خُصّ بها كائن حيٌّ بعينه. وهذه الموهبةُ لا تستقيم دون هذه العناصر. ولكن كل عنصر من هذه لا ينمو وينضج ويُثمر دون تغذية بالغةِ الجدية والحماس. الفكرةُ لدى الشاعر تخرج من كيان كُتب عليه أن يفكر، في حبةِ الرز التي في الصحن أمامه، وفي الدورة الخيالية التي تتحرك فيها مليارات الكواكب في المجرّة التي ينتمي إليها. ولكن استجابتَه لقَدَر التفكير قدْ تُطفأ دون تغذية ثقافية مُلحة، إلحاحَ الرغبة والشهية والتطلع. وهي عناصر غريزية كامنة في الغريزة. الشاعرُ فيلسوفٌ بهذا المنظار. "فيلسوفٌ ولكن بقوى أرفع وأبعد"، كما يرى الشاعر شيللي، أو "فيلسوفٌ كامنٌ لا ظاهر"، كما يرى كوليرج. يتفلسف بواسطة أداة لا يُحسنها محترفُ الفلسفة، حيث تكون الفكرةُ عاطفةً موسيقيةً على هيئة صورة. قد نتبين هذا المسعى عند فلاسفة مثل أفلاطون، وشوبنهاور ونيتشه، أو التوحيدي والمتصوفة. ولكنه مسعى خُص به الشاعر وحده. ومن هنا مصدر امتيازه.

    لا أريد هنا أن أتحدث عن المسعى البصري، الذي يستدعي وعياً بالفنون البصرية، ولا المسعى الموسيقي الذي يستدعى وعياً استثنائياً، لأن تركيبةَ المخ قد تَحرم الإنسان وعياً كهذا. 

    ولكن هل يحدث هذا مع كلِّ قصيدة؟ بالتأكيد لا. هناك قصيدةٌ لا تندلع من فكرة مرئية لها صوت التنهدات. شاعرُها يستكين داخل القاموس، يلون كلماتِه، أو يمنح علاقاتِ هذه الكلمات بعضِها ببعضٍ طواعيةً موسيقية مهذبة، أو يبرع في تهيئة كلمات مصوّتة، تجعل الفكرةَ اللصيقة بها، والتي تمثلها بوضوحِ نهارٍ مشرق، مثيرةً، مستفِزةً لها قوة النشيد. وأحياناً يتمتع الشاعر بذكاء قد لا يليق ببراءة شاعر (هنا يتحول الذكاء إلى احتيال)، فيُقبل على لغة القاموس ويبعث بها، وفق هاجس نظري مُسبق، صياغة تتطابقُ بشكل سحري مع حاجة الجمهور، بحيث يوفر رضى عند التقليدي عَبر العُدّة البلاغية المتوفرة في كتب النقد القديم، وعند الجمهور الحداثي عبر العدة السيميائية المتوفرة في كتب النقد الحديث. كلاهما يعرف كيف تُصاغ الجملة الشعرية، وفق الهوى النظري التي توفره الكتبُ المترجمة أو الكتب المنسوخة بصور مشوهة عن الكتب المترجمة، وثقافة الصحافة هذه الأيام. شاعرٌ من هذا النمط، وهو الأكثر شيوعاً، تصلح عليه تسمية "الشاعر الرسمي"، لأنه توفَّرَ وفق صياغة متطابقة مع متطلبات الموضة. "الشاعر الرسمي" ليس الذي يصلح لمنصّة وجمهور المهرجان، أو للجوائز وشاشات التلفزيون فقط. هناك شعراءٌ لا يصلحون لهذه، ولكنهم  يصلحون لخطاب معارض، يقف على قاعدة إعلامية لا تقل صلابة. وهم في الباطن لا في الظاهر، أكثر تحكماً بالمهرجان والجوائز ووسائل الإعلام الثقافي جميعاً.