إذا كنت أحد الكينيزيين (نسبة إلى عالم الاقتصاد البريطاني جون مينيارد كينيز) فسوف تشير إلى المشكلة الاقتصادية الحالية في منطقة اليورو على أنها مالية، ويتعين على الحكومة – في حال حدوث ركود يقارب الكساد – أن تنفق المزيد من أجل تحفيز الاقتصاد، ويرجع السبب في ذلك إلى توهم الكل أن الأمر يتعلق بالتقشف، وأن الأوقات السيئة ستستمر.

Ad

وإذا كنت أكثر تعمقاً في الأمور المالية فستقول إن هذه مشكلة نقدية، إذ من المعروف أن أوروبا تعاني قيوداً مالية متشددة، وهذا ما ليست في حاجة إليه في حال ركود يقارب الكساد، وقد تؤيد روبرت مندل في أن منطقة اليورو ليست منطقة عملات أفضل وسيصبح هذا جلياً تماماً بمجرد حدوث صعوبات اقتصادية من أي نوع، وهذه الفكرة الثالثة هي صحيحة بشكل واضح، ولكن ليست هناك إرادة سياسية للقيام بما يتعين عمله وهو تفكيك اليورو.

وصحيح أيضاً أن خسارة الناتج المحلي الاجمالي في العديد من أنحاء منطقة اليورو هي الآن أسوأ مما كانت عليه خلال الركود الكبير (على الرغم من أن الوضع بالنسبة الى كل شخص تقريباً ليس على ذات الدرجة من السوء التي عانت منها الولايات المتحدة في ذلك الوقت). وبالمثل، بالنسبة الى عدد من الدول ليس في منطقة اليورو في هذه المرة حيث كانت حدتها أقل مما كانت عليه إبان الركود الكبير، وهكذا فإن معرفة الجواب الصحيح تنطوي على أهمية خاصة.

مثل فنلندي  

وهذا شيء من العمل المثير للاهتمام حول فنلندا التي تتسم بأهمية خاصة، لأنها عانت حالة تقارب الكساد الثالث عند تفكك الاتحاد السوفياتي.

وإليكم المفارقة، في سنة 1931 ومع عامين من الأزمة وخسارة حوالي 5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي مقارنة بسنة 1929، قررت الحكومة الفنلندية تنفيذ تيسير نقدي كبير من خلال خفض قيمة عملتها.

وفي سنة 2011 ومع معاناتها من الأزمة الحالية لثلاث سنوات وخسارة مماثلة في الانتاج، كما كان الحال في سنة 1931، قرر البنك المركزي الأوروبي رفع معدلات الفائدة، وقد جاء رد السياسة معاكساً تماماً لما قامت به دول الشمال وبريطانيا في سنة 1931.

وتجدر الإشارة الى أن الفارق واضح تماماً بين التيسير النقدي والتشديد النقدي، وبعد سنة 1931 تعافى الاقتصاد الفنلندي بصورة جيدة، بينما غرق اقتصاد فنلندا بقوة أكبر بعد رفع معدلات الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي في سنة 2011 (وحصل على "مساعدة" في الآونة الأخيرة عبر الأزمة الأوكرانية– الروسية).

ويتمحور هذا كله في الحقيقة حول السياسة النقدية، وكان تأسيس اليورو خطأ في الأصل: فقد كان بالإمكان تحقيق ذلك بطريقة منطقية على مستوى منطقة أصغر كثيراً، وربما كان ذلك سيقتصر على ألمانيا والنمسا وبينيلوكس ولكن ليس أكثر من ذلك. وكان انضمام أي دولة لاتينية فكرة سيئة، ولكن ذلك كان أسوأ من طريقة تأسيس البنك المركزي الأوروبي. وهو لم يسمح في الواقع بأي تيسير كمي واسع بالطريقة ذاتها التي حققها بنك انكلترا. كما أنه كان يتبع سياسة تشدد نقدي في وقت ركود: أي ما يتعين عليه ألا يقوم به والشيء الذي تعهد بن برنانكي بعدم القيام به، لأن ذلك هو الخطأ الذي ارتكبه مجلس الاحتياط الفدرالي في حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي.

وبشكل أساسي، فإن ما يحدث في جنوب أوروبا في الوقت الراهن هو نتيجة تصميم سيئ رافقته ادارة غير فعالة لسياسة نقدية، وما يجعل الحال مروعاً بقدر أكبر أننا كلنا الذين نقرأ هذا، إضافة الى صناع السياسة، لن نتأثر بذلك على الإطلاق. ولن يعاني من ذلك سوى الـ 50 في المئة من  الشبان الإسبان واليونانيين، ويرجع ذلك كله الى سوء فهم بسيط للسياسة النقدية.