من المتوقع أن تنفق روسيا على جيشها في عام 2015 مبالغ من المال تفوق ما شهدته أي سنة سابقة في كامل تاريخها ما بعد الحقبة السوفياتية، حيث تشير تحليلات مجلة فوربس إلى أن روسيا ستنفق ما يُقدر أنه 5.34 في المئة من ناتجها الاقتصادي على الدفاع عام 2015، ويستند هذا التقدير على افتراض أن اقتصاد روسيا سيتقلص بنحو 3 في المئة، وأن القيمة الفعلية للميزانية الدفاعية سترتفع بنسبة 15 في المئة.

Ad

لكن تقديراً آخر ورد في صحيفة وول ستريت يستند إلى بيانات الحكومة الروسية، ويشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الروسي قد ينخفض بنسبة 4.6 في المئة، ويعود هذا التراجع في جزء كبير منه إلى انخفاض أسعار النفط والعقوبات الغربية، نتيجة لذلك أعلن رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف أخيراً أن من الضروري تعديل ميزانية الجيش لهذه السنة التي تبلغ 3.3 تريليونات روبل، مع تخفيضها بنسبة 5 في المئة أو 157 مليار روبل.

لكن الأسوأ من ذلك، وفق بيانات الموازنة للأشهر الثلاثة الأولى من عام 2015 التي نُشرت أخيراً، أن الإنفاق العسكري تخطى بنحو 9 في المئة الناتج المحلي الإجمالي لربع السنة الأول، أي ما يُعادل ضعف تقريباً ما نشرته مجلة فوربس.

الحكم بسيط: لا تستطيع روسيا تحمل كلفة الإنفاق العسكري الواسع النطاق إلى هذا الحد على الأمد الطويل، يوضح تحليل أخير صادر عن مؤسسة CAST التي تُعنى بالشؤون الدفاعية في موسكو: "لا يولد الاقتصاد الروسي العصري ما يكفي من الموارد لتمويل برنامج إعادة التسلح الحالي بين عامَي 2011 و2020، ولا شك أن هذا يحد، على نحو خطير من القدرة على إعادة التجديد، فاعلية عتاد القوات المسلحة الروسية".

تبقى الطريقة الوحيدة، التي تستطيع من خلالها روسيا راهناً تمويل إنفاقها العسكري المتنامي، اللجوء إلى صندوق هذا البلد الاحتياطي: مال كان الكرملين قد وضعه جانباً خلال السنوات الأخيرة حين كانت أسعار النفط عالية، ويهدف إلى حماية الاقتصاد من الصدمات، فبمساعدة هذا الاحتياطي، الذي تقدَّر قيمته بنحو 6 في المئة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي الروسي، تستطيع روسيا تحمل عجز بنسبة 3.7 في المئة لأقل من سنتين، وفق خبير الاقتصاد سيرغي غورييف.

رغم ذلك، قد تكون هذه الحسابات متفائلة جداً، وفق أحد الباحثين المتحدرين من أصول روسية، نظراً إلى إنفاق الكرملين المفرط على الدفاع: "سبق أن أنفقت روسيا أكثر من نصف مجموع ميزانيتها العسكرية لعام 2015. وبهذا المعدل، سيفرغ صندوقها الاحتياطي قبل نهاية السنة".

في مقال نُشر أخيراً، يشير هذا الباحث إلى ما قاله بعض المراقبين الروس، حين توقفت الدبابة القتالية الروسية الأحدث T-14 Armata، فجأة أثناء التمرن لحفل موسكو الكبير خلال مسيرة يوم النصر في التاسع من مايو في الساحة الحمراء: "لا شك أن Armata تتمتع بقوة مدمرة غير مسبوقة. فتستطيع فرقة منها أن تدمر كامل الموازنة الروسية".

بحلول عام 2020، تخطط روسيا لإنتاج 2300 نموذج من T-14 Armata. لكن كلفة كل دبابة تصل إلى نحو 8 ملايين دولار، وينوي الجيش الروسي الاستعاضة عن 70 في المئة من مجموع دباباته بآليات مجنزرة جديدة، مستبدلاً دبابات T-72 وT-90 القتالية الرئيسة القديمة، وتدعو خطة الإنفاق العسكري الروسية عموماً إلى تحديث نحو 30 في المئة من أسلحة القوات المسلحة هذه السنة.

في عام 2010، أطلق الرئيس فلاديمير بوتين مشروع تحديث عسكري ضخماً بقيمة 20 تريليون روبل هدفه استبدال 70 في المئة من العتاد العسكري العائد إلى الحقبة السوفياتية بحلول عام 2020، بما في ذلك 50 سفينة حربية جديدة لسلاح البحرية، ومئات الطائرات المقاتلة الجديدة، وآلاف الآليات الجديدة للقوات الأرضية.

ولكن في شهر أبريل من هذه السنة، أقر بوتين بأن "القطاع [الدفاعي] ليس مستعداً بالكامل لإنتاج أنواع محددة من الأسلحة في الوقت المناسب". رغم ذلك، سارع إلى الاستدراك مضيفاً: "ولكن يجب بالتأكيد إتمام البرنامج".

يذكر الخبير العسكري الروسي ديمتري غورنبورغ أن موسكو قد تميل إلى إبطاء عمليات الاستحواذ إلى أن تتعافى أسعار النفط لأن "المال المخصص لهذه الخطوة قد لا يكفي، مع تخطي الكلفة الحدود، لبناء ما يحتاج إلى بناء". ويضيف أيضاً: "بالنظر إلى ما يريدون بناءه، لن يحصلوا على الكمية التي يرغبون فيها وستستغرق عملية البناء وقتاً أطول. إلا أن البرامج ستسمر كما هي اليوم".

رغم ذلك، يُعتبر حكم سيرغي غروييف على الإنفاق العسكري الروسي، إن استمر وفق المعدلات الحالية، قاتماً: "إن لم تستطع روسيا تحمل ميزانية إنفاق تبلغ 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الأوقات المؤاتية، فلن تتمكن بالتأكيد من تحمل معدل عالٍ مماثل من الإنفاق العسكري اليوم في وقت تواجه فيه تدنياً كبيراً في أسعار النفط، وعقوبات غربية، وركوداً اقتصادياً... فعلى غرار دبابة T-14 في الساحة الحمراء، قد ينفد حظ بوتين قريباً".

فرانز ستيفان غادي Franz-Stefan Gady