إلام يرمز «اعترافات جامحة» عنوان ديوانك الجديد؟ 

Ad

 

حملت كلمة {اعتراف} رمزاً دينياً قد يأخذ القارئ في الوهلة الأولى إلى فعل الاعتراف الذي يكون عادة اعترافاً بالخطايا. أما كتاباتي في هذا الديوان فهي تُقارب الاعترافات من حيث إنها تكشف عن مكنونات ذاتية، تقض الوجدان والفكر والقلب. مكنونات الأسئلة والتأملات، والآلام والآمال، والأحلام والخيبات، وتجليات الحب واشتعال الأشواق، وومضات الفرح، وعواصف الحزن. وهي جامحة كلهبٍ يتصاعد من نار داخلية انصهرت فيها تجارب ومشاهدات، حقائق وأوهام، ذكريات وأحلام. أردتها اعترافات شفافة من دون تعرٍّ، أتلوها نشيداً للأرض والحب، للحياة والموت، للشعر والخلاص.

 

 

تقولين في مقدمة ديوانك «الشعر يحقق إنسانيتنا»، ماذا تعنين بذلك؟

 

 

في كل إنسان يكمن شاعر صامت. عدد قليل جداً من الناس، يكسر الشاعرُ الكامنُ فيهم صمتَه فيكتبون الشعر، ويعبِّرون عما لم يستطع الآخرون التعبير عنه. هؤلاء الشعراء يصنعون مرآة يتعرف فيها الآخرون على ذاتهم. وقد قلت في مقدمة الديوان التي أتساءل فيها عن أهمية الشعر في حياة الشعوب، إنني لطالما شعرت لدى رؤية مرآة لذاتي في قصيدة كتبها شخص آخر، أن مكامني تفتحت ومغامضي تبددت وأفكاري المتشابكة الهائمة ثبتت أمام عينيّ في صور وكلمات. وهكذا يمد الشعر جسر تواصل بين البشر فيحقق إنسانيتنا. فلنتصور الحياة من دون شعر، أو موسيقى، أو أدب، أو فن، لكنا أشبه بالآلات.

لطالما احتل الشعر مكانة مميزة لدى مختلف الشعوب لأنه يعبِّر عن شجونهم ومشاعرهم وأفكارهم، يضعهم وجهاً لوجه مع أعماق ذاتهم، يسبر أغوار وجدانهم ويفتح آفاق الحلم والتخطي. وكان في بعض العصور سجلاً للتاريخ. وهو ليس فناً للمتعة فحسب، بل قيمة بحد ذاته. ولعل في قيام منظمة اليونسكو بتعيين يوم الحادي والعشرين من شهر مارس من كل عام يوماً عالمياً للشعر، تأكيداً على أهمية الشعر في حياة الإنسان وفي مسيرة البشرية، جسراً إلى ولادات جديدة ونوراً ينبثق من الضباب ليضيء الطريق ومدماكاً أساسياً في صرح الثقافات.

 

تتنازعك غربتان غربة في وطنك بفعل الحرب وغربة في نيويورك لبعدك عن أرضك... أين انت اليوم من هذه الغربة وقد عدت إلى الوطن؟ 

 

بدأت أكتشف الإحساس بالغربة منذ الصبا. إحساس غريب بأنني دائماً أنتمي إلى مكان غير الذي أكون فيه. وهذه غربة وجودية ما زالت تلازمني. وفيما بعد، اجتاحتني غربة أخرى بسبب الحرب وما رافقها من أهوال. وقد كتبت عن ذلك في إحدى قصائدي: {حملتُ ناره ورمادي، رحلتُ عنه وأنا فيه}. فبعدما تشبَّعنا حباً للوطن وفخراً به من خلال تربية الأهل والمدرسة، وبعدما زرعَتْ حبَّه فينا أشكالٌ مختلفة من الفنون والكتابات، سرعان ما صُعقنا بحرب دمرت، من بين ما دمرت، القلعة التي شيدتها تلك الثقافة في وجداننا. وصرت مثلي، كمثل كثيرين من جيلي، أبحث عن هذا الوطن في الواقع ولا أجده. أنتظر تحققه ولا أراه. ورغم ذلك، عندما حملتني ظروف عائلية إلى نيويورك في عام 1990، لم تكن لدي أي نية للهجرة، ولكن تدهور الأوضاع الأمنية بشكل غير مسبوق آنذاك جعلني أؤجل العودة فطال التأجيل لفترة طويلة، وهناك اكتملت دائرة الغربة. وكنت، عندما أستيقظ كل صباح، أستغرب المكان وأحاول التآلف مع الاغتراب الموغل فيّ، وعن هذا كتبت {أشقُّ الأرصفةَ كجدولٍ يبحث عن نبعه/ عبر منعرجات حالكة/ وأَهيمُ في عالم يمتد كمرآة/ حافلة بما لا يُلمَس/ كأنني أضاعتني بلادي}. وقد عدت إلى الوطن لأنني لم أعد أحتمل دائرة الغربة التي تطوقني. عدت إلى الجذور والعائلة والأصدقاء، إلى الوطن الذي تحوَّل إلى فكرة يوتوبية، ولكن بشخصية انصهرت فيها ملامح من هنا ومن هناك. لا يزال الاغتراب كامناً فيّ وأعيش ازدواجية الانتماء والغربة على أرضي. وما زلت كجميع اللبنانيين أنتظر الوطن المنشود، الذي لن يأتي إلا بقيام الدولة النظيفة العادلة العصرية الهادفة إلى تحقيق رفاه الإنسان وسعادته.

 

أيهما أكثر الماً غربة النفس ام غربة الوطن؟

 

لا أستطيع المقارنة، فهما غربتان متلازمتان، تغذي إحداهما الأخرى.

 

يبدو أن القصائد تسرق لحظات من العمر الهارب، فهل هي مجرد تدوين تجارب ام اعترافات للخروج من آثار التجارب؟

 

القصائد ليست تدويناً فحسب، لأنها ليست كتابة تقريرية ولا صورة فوتوغرافية طبق الأصل، على الأقل في ما أكتبه أنا. فالكتابة تنطلق من واقع خاص أو واقع عام، من تجربة خاصة أو من مشاهدة ومعايشة لتجارب آخرين، وتنصهر فيها تفرعات من الذاكرة والأحلام، من القراءات والأحاديث، من الروايات والأساطير، وتحوِّل كل ذلك إلى كيان فريد هو القصيدة. لطالما لازمني غليان داخلي لم يكن يهدأ إلا بالكتابة. ولكن فقط إلى حين. فهل هذا يعني أن الشعر وسيلة تعبير؟ أم هو هدف بحد ذاته؟ قد تبدو القصيدة في البداية وسيلة تعبير عن واقع أو تجربة أو فكرة أو حلم، ولكن سرعان ما تصبح هي الهدف ويؤول الواقع أو التجربة أو الفكرة أو الحلم إلى النسيان. وقد عبّر الدكتور أنطوان قسطنطين عن هذا الجانب في كتاباتي خير تعبير إذ قال في تحليل لقصائدي «حبيبها إنسان أوجدته الحياة حتماً، لكن مخيِّلة الشاعرة تكفَّلت بصياغة ملامحه، فزادته الكلمات جمالاً وقوةً وحضوراً، وجعلت منه إلهاً من صنوف آلهة الإغريق». الشعر إذاً هو الوسيلة والهدف في آن، ولا يمكن التمييز. وبينما العمر الهارب يعدنا بالزوال، يعدنا الشعر بمشروع بقاء.

 

الحب في قصائدك لحظات هاربة من واقع مرير إلى حلم وردي ينبض باللهفة، فهل هو في غربة تماماً كما غربة روحك؟

 

الحب في قصائدي يختلف عن كتابات نسائية كثيرة أصبحت رائجة منذ سنوات، وتحكي عن شبه مطاردة بين المرأة والرجل، عن تمرد وتعالٍ، عن نوع من التنافر الذي يبغي في الحقيقة التقارب، عن ادعاء بالاستغناء، وحالات من هذا القبيل. الحب في قصائدي تتساوى فيه المرأة والرجل، يتسابقان إلى البوح بأصدق المشاعر، لا يتهرب الواحد من الآخر، ولا يتعالى الواحد على الآخر، بل ينصهران ويسموان في أبهى الأحاسيس، وبدل أن يتمرد الواحد على الآخر يتَّحدان في مواجهة الظروف الخارجية. 

 

تستقين صورك الشعرية من الطبيعة، إلى أي مدى ثمة وحدة حال بينكما؟

 

لم أكتب شعراً مباشراً عن الطبيعة أو للتغني بجمالها. ولكن القارئ يلاحظ أن الطبيعة متجذرة في وجداني ومتغلغلة في قاموسي، فأراها تتدفق تلقائياً صوراً ورموزاً وإشارات في كل ما أكتب. الينبوع والغابة والنوارس والشفق والشطآن والبحار والقمر والنيزك والمساء والمطر والقفر والنجوم والعشب والرمل والصحراء والحصى والحقل والشلال والمطر والجزر والتراب والغابات والحجر، وغيرها الكثير من ظواهر الطبيعة، منسوجة في الصياغات والتعابير، فأسبغت على قصائدي مشهدية وصوراً تأخذ القارئ بسلاسة حتى إلى أصعب التعاريج الفكرية والوجودية. منذ حدوثي في الدنيا، والطبيعة تدخل إلي من حواسي الخمس فباتت تجري في دمي. الطبيعة فيّ وأنا فيها. أنا جزء لا يتجزأ منها، يتغذى بها جسدي وروحي، فيها منابع الوحي والحكمة. هي الباقية ونحن الزائلون، هي القائمة ونحن الذائبون في كيانها. وقد ختمتُ الديوان بقصيدة أقول فيها: «ليتني للموج شاطئ/ للرمل نشوةُ الزبد/ للصَدَفة هديرُ أسرار/ لكنني غبارٌ غبار/ يحوِّم في فلك الأبد».

 

لك قصائد مناسبات ليوسف الخال لمناسبة مرور سنة على رحيله، ولوالدك ولجدتك لمناسبة رحيلهما، فما الذي دفعك إلى كتابتها، مع أنك بعيدة عن قصائد المناسبات؟

 

قد تبدو هذه القصائد قصائد مناسبات. ولكن أنا لا أعتبرها كذلك، وإلا اعتبرت كل الديوان قصائد مناسبات. لأن الحياة بحد ذاتها مناسبة. وأنا كتبت عن الحياة وما فيها وما بعدها، أي الموت. وفي القصائد الثلاث انطلقتُ من مناسبة لأتطرق إلى مواضيع كبرى تشغل الإنسان في كل زمان ومكان. القصيدة لمناسبة مرور سنة على رحيل يوسف الخال أراها لا تزال حتى الآن تنبض بالحياة والأفكار الفلسفية والوجودية والتأمل في جدوى الكتابة. ومما قلته: «هذه الدنيا الخرافة/ مهما أمعنّا النظر إليها/ وفي أسرارها تَوغِّلنا/ لن نخرج منها إلا بكلمات، لولاها،/ لما كان للدنيا/ إلا صوت بومة ولون غراب». وفي قصيدتي عن رحيل أبي، صرخت لوعتي لرحيله وكتبتُ رثائي له حيث واجهتُ الموت في أوجع وأقرب إصاباته لي. وأعتقد أنها قصيدة تخرج من المناسبة الخاصة بي لتصبح صوت أناس كثيرين مرّوا بالتجربة ذاتها. وأقول فيها: «أصحو في الليل لأصغي إلى قلبي يناديك/ هل تسمعني؟/ أم أن ندائي/ يعيق روحك عن ملاقاة الإله؟» أما القصيدة عن جدتي فكتبتها عندما كانت جدتي لا تزال على قيد الحياة فتساءلتُ فيها عن معنى ومظاهر الشيخوخة. والشيخوخة مناسبة تحدث في حياة معظم البشر. وقلت فيها: «جدتي، رأسك أبيض كاليقين/ لو تبوحين لي/ كيف يكون الانسحاب/ تشيخُ الذاكرة/ يُقطَع خيط الزمن/ تتراجع منا الأحلام؟/ أخبريني/ هل نصادق الخوف/ نُتقن الملل/ على رصيف الفناء؟».

بين نيويورك وواشنطن

عملت في الولايات المتحدة في المجال الإعلامي ومن ثم في الأمم المتحدة... كيف أثر هذا الأفق الواسع الاطلاع في تجربتك الشعرية أو في نظرتك إلى الأمور؟

 

كان لتجربة الإقامة والعمل في الولايات المتحدة أثر عميق في حياتي وشخصيتي وخياراتي. فعندما سافرت، كنت أغادر قريتي الصغيرة في جبل لبنان إلى إحدى أهم المدن في العالم في أهم ما يسمى بالقوى العظمى، الولايات المتحدة. غادرت بلدي بعد سنوات من حرب حرمتنا التنقل في أرجائه بسبب ما فرضته من تقسيم للمناطق واقتتال وأحقاد ودمار، ونعيش في بقع معزولة عن بعضها، إلى نيويورك، المدينة العظيمة والجبارة، مدينة الناطحات والقطارات والشركات والمتاحف والمسارح والسياح والمشردين والأغنياء والفقراء، المدينة الكوزموبوليتية التي يعيش فيها سكان جاؤوا من كل أرجاء المعمورة. نيويورك كانت وجهتي وفيها تعلمتُ الكثير. وأهم ما تعلمت هو التواضع والوضوح والجرأة. المجال الإعلامي الذي عملت فيه (رئاسة تحرير جريدة «الهدى» التي كانت تصدر باللغتين العربية والإنكليزية وتوزع على أبناء الجاليات اللبنانية خصوصاً والعربية عموماً منذ أواخر القرن التاسع عشر) سمح لي بالاحتكاك بأشخاص من بلدان مختلفة وثقافات مختلفة. دخلتُ بفضله إلى الأمم المتحدة كصحافية لتغطية ما يدور فيها من أنشطة واجتماعات تهم لبنان والمنطقة العربية. وهذا عالم كبير ومتشعب ومعقد، من مجلس الأمن والجمعية العامة والهيئات الأخرى العاملة ضمن هذه المنظومة. كان التعرف على هذا المكان والمراسلة الصحافية منه من أكبر التحديات التي واجهتها. بعد ثلاث سنوات انتقلت إلى واشنطن العاصمة، حيث عملت في إذاعة وقناة تلفزيونية موجهتين للجاليات العربية، وفي الوقت ذاته كنت أراسل إذاعة صوت لبنان وإذاعة مونتي كارلو بتغطية من البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية لأحداث تهم المنطقة ولبنان. ثم انتقلت للعمل مع شركة «من واشنطن» لإنتاج مواد مرئية، أي تقارير إخبارية ووثائقيات، لتبث على قنوات عربية في بلدان ومدن عربية، منها دبي، وأبوظبي، والكويت، والسعودية، ومصر، وأيضاً قناة BBC العربية وقناة MBC في لندن. وبعد ذلك عدت إلى نيويورك لأتسلم وظيفة في الأمم المتحدة، في قسم الترجمة بعدما نجحت في امتحان الترجمة الدولي الأممي. ذكرت كل ذلك لتتصوري مدى التحديات والانشغالات التي أخذتني في مسيرة كفاح وتعب لتحقيق الذات في المهنة. الأثر الأول لذلك هو غربة أخرى، عن الشعر هذه المرة، فقد سرق العمل المكثف مني الهدوء اللازم للكتابة الإبداعية. لكن، وبينما كان كل ذلك يصقل شخصيتي ويثري خبرتي المهنية والحياتية، ويفتح آفاق فكري على عوالم أخرى، ظلت جمرة الشعر متقدة تحت كل هذا الرماد، تظهر بين الحين والآخر لتحرق أصابعي بنورها المتوهج، ثم تختفي لوقت قد يطول أو يقصر. أدركت مع الوقت أن الشعر، أو أي عمل إبداعي، هو قيمة جوهرية يحتاج إليها الإنسان: يرتاح عندما يجدها ويشعر بالفقر من دونها. وفي نظرة إلى مساري الحياتي أجد أن أموراً كثيرة لم تبق على حالها في حياتي، وأنني قد عبرت مراحل مختلفة، وتنقلت بين أماكن مختلفة، وتبدلت نظرتي إلى كثير من القضايا، ولكن الثابتة الوحيدة التي ظلت ترافقني، هي ارتباطي بالشعر.