كان صرحاً من خيال فهوى، تلك هي "الأطلال"؛ رائعة الطبيب الشاعر إبراهيم ناجي، الأغنية التي تشدو بها الست أم كلثوم، نعم هي الأطلال التي أصبح حال أمتنا العربية شبيهاً بها، الأمة التي تمزقها الأقليات في لبنان والعراق وسورية والسودان واليمن، فقد تمكن أعداؤنا من اللعب بخيوط الأقليات بـ"حرفنة" ومازالوا يفعلون.

Ad

وبينما ترفض أوروبا التشرذم وتصوت أسكتلندا بـ"لا" كبيرة ضد الانفصال، تزداد حركات الانفصال والتجزئة في العالم العربي، وتفرض عليه تجمعات جديدة لأقليات آخرها "الحوثيون" في اليمن، الذين لا يزيد تمثيلهم على 35 في المئة من سكانه.

لاشك أن أول الحركات التي أسست لفصل أقلية عن العالم العربي هي الحركة الكردية بكل تفاصيلها القديمة، ورغم أن الزخم الكردي ووجوده ككيان كان في إيران (الإمارة الحسنوية) وأصولهم العرقية الممتدة إلى فارس (المدينيون)، لكن العالم يركز على أن تكون الدولة الكردية في العراق وسورية وتركيا، وهي دول التجمع السكاني الضخم للمسلمين السنة!

ورغم تجارب الأكراد التاريخية المريرة مع محاولات الاستقلال وطبيعة جغرافية موطنهم الصعبة لتكون دولة مستقلة، وتشابه وضعهم مع الأسكتلنديين، فإنهم منساقون ليكونوا أداة في لعبة الأمم وفق سراب الدولة الكردية التي حتى لو قامت فستكون المحافظة على بقائها أمراً صعباً وشبه مستحيل على المدى الطويل رغم كل تحالفاتهم مع الغرب وإسرائيل.

والقضية الكردية مثال على ما تفعله الأقليات المتنمرة والمتمردة في العالم العربي، فالاختراقات تزداد يوماً بعد يوم من الغرب وإسرائيل وإيران لنا، وتمزق هذه الأمة تمزيقاً بواسطتهم، فهناك الكرد والدروز والبربر والنوبيون والأفارقة والفرس والشيعة -الاستخدام السياسي للمذهب في المشروع الفارسي- واليزيدية والمارونيون والأقباط والعلويون... إلخ، بالإضافة إلى التصنيفات الذاتية للعرب أنفسهم؛ من قبائل أصيلة يتحالف بعضها مع الأسر الحاكمة في الخليج وأبناء المدن والأرياف في دول شمال إفريقيا، وكل هذه التصنيفات ذات الطبيعة المتوترة والمتصادمة مع بعضها بعضاً بخلاف بقية العالم الذي يجعل من اختلاف طوائفه وأعراقه مصدراً للقوة والازدهار الثقافي والإبداع الفكري.

اللعب على وتر الأقليات، ودعمها مالياً وإعلامياً، وحثها على التمرد توزع أدوارها بدقة بين الغرب وقوة إقليمية، فألمانيا والنمسا تمسكان بملف الأكراد لدعمهم مالياً وعسكرياً بمساعدة من السويد والدنمارك، والولايات المتحدة تشرف على جميع الملفات، لكنها متخصصة بملف الأقباط المصريين والإخوان المسلمين وأفارقة السودان وقبائله المتمردة، في حين ترعى هولندا عدة جمعيات لأهل النوبة المصريين، وتدعم حركات هجرة الأقباط المصريين وعودتهم بعد ذلك إلى مصر والقيام بالأنشطة المطلوبة.

وتمسك فرنسا وبلجيكا ملف الأمازيغ في شمال إفريقيا، وتمسك باريس كذلك ملف المارونيين اللبنانيين وملف الدروز، ولكن بإشراف وشراكة مباشرة مع إسرائيل التي تعتبر مع بريطانيا "الجوكر" الذي يلعب بجميع تلك الملفات، بينما تمسك إيران بجميع الملفات المعنية بالطائفة الشيعية وتفرعاتها، والمهاجرين من القوميات الإيرانية في الخليج والعالم العربي، في حين تقوم موسكو بدور المضارب اليومي أو النخاس المكروه في السوق العربي، باللعب مع جميع الأقليات، حسب ما يستجد من مصالحها، وبشكل خاص الحكم العلوي في سورية.

الوضع يزداد سوءاً والمنطقة تشهد عملية إعادة تشكيل ورسم مراكز حكم وسيطرة جديدة، بينما الأغلبية العربية مسترخية تنتظر ما سيحل بها، وتعيد جماهيرها إنتاج الخطاب الديني الإسلامي، الذي تعتقد أنه سيجمع الأقليات في الأمة، وهو ما لم ينجح أبداً في القرنين الماضيين.

فمنذ صعود نبرة الخطاب الديني اشتدت مشاعر الأقليات، ومطالبها الانعزالية، ودورها المخرب في العالم العربي بمطالب بتفتيته أو الانزواء تحت هيمنة قوى إقليمية أخرى، وهذا ما حدث في العراق ولبنان وجنوب السودان، ويحدث حالياً في اليمن، لذا فإننا مطالبون كعرب بصياغة خطاب المصالح المشتركة مع تلك الأقليات وإنشاء دولة الحقوق المتساوية بين مواطنيها والحوار مع الأقليات، وتعريفها بالدور التخريبي الذي تقوم به وثنيها عنه قبل ألا يكون هناك خيار آخر للدفاع عن النفس سوى مواجهتها.