جلس سعيد حائراً متردداً، كيف سيقابل ليلى؟ ماذا سيقول لها؟ هل ستسامحه؟ هل ستوافق على العودة إليه؟ وكيف سيقابله أهلها وهم يرفضون مقابلته بعدما تزوجها رغماً عنهم؟

Ad

فيما هو جالس تتداعى على رأسه هذه الأسئلة وغيرها، وإذا به يجد والد ليلى بورجونجينو أمامه، يطلب منه أن يأتي معه ليرى ابنه. لم يصدق نفسه وما قاله له بورجونجينو، لا يعرف كيف وصل إلى المستشفى، مشياً أم ركضاً، أم راكباً؟ لم يلتفت إلى وجود ابنه، مد يده ليصافح ليلى، فلم تمد يدها، بل مدت له مولودها... ففهم الرسالة، احتضن المولود، قبله من جبينه وضمه إلى صدره:

- ماشاء الله جميل أوي.

* يشبهك كتير سعيد.

- لا لا لا... يشبهك أنت أكتر... عينيه مناخيره شفايفه... وشه كله سحر زيك بالظبط.

* يعني... المهم أنه ابنك.

- ابننا.

* (ساخرة) أباظي جديد.. ينضم للعيلة الكبيرة.

- نفسي أنت كمان ترجعي تكوني جزء من العيلة دي.

* للأسف ماينفعش... فات الوقت... سقطت في امتحان الست زينب.

- ابننا ممكن يصلح اللي انكسر. أنا واثق أنها أول ماهاتشوفه هاتنسى كل اللي فات وهاتفتح صفحة جديدة لحياتنا.

- أنا ماكنتش بحافظ عليه وأسهر ليالي طويلة استناه علشان لما ييجي يرجعلي حياتي اللي اتسرقت مني... مش هو اللي هايرجع... صحيح أنت نويت تسميه إيه.

* أنا كنت محضر اسمين. لو كان بنت كنت هاسميها ليلى... على اسمك. ولو جه ولد قلت اسميه رشدي لأني فعلاً رجعت لرشدي من أول ماعرفت أنك حامل. كنت تايه ورجع لي رشدي... إيه رأيك في اسم رشدي.

- جميل رشدي.. رشدي سعيد.. رشدي أباظة.

جاء رشدي سعيد أباظة طفلاً بارع الجمال‏...‏ قوي الملامح، له روح شرقية بلمسة أوروبية، حمله سعيد، تمنى لو أنه اصطحبه ووالدته ودخل بهما على زينب أباظة يخبرها بأنه أصبح أباً، ويتمنى أن يعيشوا معاً. غير أن ليلى رفضت رفضاً قاطعاً مجرد التفكير في الأمر، ففكر سعيد أنه إذا ما جاءت المبادرة الطيبة من والدته، ربما عدلت عن رأيها،

اتجه سعيد إلى عزبة الأباظية في الشرقية، قبل أن يزف خبر مجيء رشدي إلى الدنيا إلى والدته، بادرته هي:

* ولدت؟

- أيوا يا نينة. ولد ماشاء الله زي القمر. أباظي بصحيح... رشدي سعيد أباظة.

* رشدي! مين اللي سماه؟ أنت ولا بسلامتها؟

- إيه... آه. لا أنا طبعاً اللي سميته. بس لو مش عاجبك في أيدينا نغيره.

* أهو اسم والسلام... القصد الولد مش لازم يستنى دقيقة واحدة في المنصورة. لازم ييجي يعيش هنا... في بلد أبوه.

- صحيح يا نينة. أنا برضه قلت لها كدا. دي هاتفرح أوي أول ماتعرف.

* هي مين دي اللي هاتعرف وتفرح... أنا قلت الولد بس اللي يتربى في بلد أبوه.

- إيه؟ قصدك يعني يا نينة إن...

* الولد لازم يبات النهاردة في العزبة.

- أيوا. يا نينة بس يعني دا لسه مابقالوش أسبوع مولود. مش ممكن يبعد عن أمه.

* مافيش كلام من دا. بقاله أسبوع بقاله يوم. دا ابننا وإحنا أولى به.

- بس ليلى مش ممكن توافق. أنا ممكن أقنعها تيجي معاه ونعيش كلنا هنا سوا.

* مافيش كلام من دا. إحنا هانعيده تاني.

- يبقى مستحيل ليلى توافق تفرط في ابنها ساعة واحدة.

* دا ابنك اسمه رشدي أباظة. إحنا مش هاناخد رأيها علشان توافق ولا ماتوافقش.

خطف الحفيد

لم تر زينب أباظة نفسها أماً قاسية، بل سيدة تحافظ على تقاليد العائلة الأباظية، مهما كلفها ذلك من ثمن، فقررت خطف حفيدها رشدي ليعيش وسط أهلها، وما إن علم سعيد بذلك حتى أسقط ما في يده، فمن المؤكد أن ذلك سيعرض ابنه للخطر، فضلاً عن أن ليلى سيجن جنونها، وإذا ما كان ثمة ولو خيط رفيع بينهما، يضع أملاً في إمكان عودتهما للعيش معاً، سينقطع حتماً بهذا التصرف القاسي، فلجأ إلى كبار رجال العائلة لإثناء والدته عن هذا التفكير، وبالضغط عليها وتحت إلحاح رجال العائلة، وافقت على مضض على أن يبقى رشدي سنوات رضاعته مع والدته!

مر عاما الرضاعة سريعين، لم يترك فيهما سعيد ابنه رشدي، من دون أن يراه كل أسبوع، يطمئن عليه ويلبي احتياجاته كلها، بل واحتياجات ليلى، ولم يمر أسبوع من دون أن يفاتحها في أمر عودتهما للم شمل الأسرة من جديد. غير أن قلبها الذي أحبه لدرجة العشق، أغلق أبوابه في وجهه إلى الأبد، فقرر القيام بمحاولة أخيرة قبل أن يترك المنصورة، بعدما ترقى إلى رتبة «يوزباشي» ونُقل إلى صعيد مصر، حيث مدينة سوهاج التي تبتعد عن المنصورة ما يزيد على 900 كيلو متر. غير أن المحاولة الأخيرة باءت بالفشل أيضاً، وسافر مضطراً بعدما ألقى نظرة أخيرة على رشدي الذي بات متعلقاً به، ولم يدر الصغير أن هذا الفراق بداية لحرمان سيستمر طويلاً.

عاش رشدي سنوات عمره الخمس الأولى وسط الجالية الإيطالية في المنصورة‏، وهو ما انعكس بوضوح على شخصيته‏ كطفل، حيث طغى على حياته الطابع الأوروبي‏،‏ في كل تصرفاته وطباعه، كذلك أتقن تماماً اللغة الإيطالية التي يحدثه بها كل أفراد عائلة والدته. غير أن والدته حرصت على أن يتحدث العربية أيضاً، بل وكانت من الأمانة أن تخبره أنه مسلم. وعندما كانت تلاحظ اهتمام رشدي ببقية أطفال العائلة وهم يذهبون إلى «الكنيسة الكاثوليكية» وينتظرون عيد الميلاد كانت تؤكد له من وقت إلى آخر أنه مصري مسلم مثل والده.

رغم الحب والزواج والطلاق والإنجاب، كانت ليلى لا تزال في مقتبل العمر، بارعة الجمال، وتحت إلحاح عائلتها بضرورة الزواج، وافقت على الزواج من تاجر يعمل في القاهرة، فكان لا بد من أن تنتقل للعيش في بيت زوجها في ميدان الأوبرا الملكية.

للمرة الأولى، يجد رشدي رجلاً غير والده يعيش معه ووالدته في بيت واحد، لم يعد ينام بين أحضان والدته كما اعتاد في المنصورة، بل أصبحت له غرفة بمفرده، وعليه أن يطيع أوامر زوج والدته، باعتباره والده الجديد. غير أن رشدي، ورغم حداثة سنه، لم يستطع أن يتعامل معه كوالده، وبدأ مبكرا «العناد الأباظي»، وكلما شاهد زوج والدته غدا أو راح، ألح في السؤال عن والده، ما أوقع والدته في حيرة شديدة، لم ينقذها منها سوى وصول رشدي إلى سن التعليم، فألحقته والدته بمدرسة «الخرنفش الابتدائية» على أمل أن يعمل العالم الجديد الذي انضم إليه، على تخفيف إلحاحه في السؤال عن والده. غير أن هذا العالم، بدلاً من أن يخفف عنه، عمل على تعميق الجرح في داخل الطفل الصغير، خصوصاً وهو يرى آباء زملائه يأتون كل يوم لاصطحابهم، ويحرصون على حضور احتفالاتهم المدرسية، ويجدهم حاضرين في أي مناسبة أو حتى مشكلة، ما جعل من رشدي عنيفاً في تعامله، سواء في البيت أو المدرسة، وهو ما لفت نظر أساتذته:

- أنا آسف يا هانم أني ببلغك الكلام دا. بس رشدي بقى عنيف جدا مع زمايله...

* رشدي!!

- أيوا يا هانم. أنا لا أنكر أنه ولد مهذب ومتربي... وكمان متفوق في دروسه. لكنه عصبي جداً وعنيد... واللي زاد في الفترة الأخيرة العنف. علشان كدا طلبت أتكلم مع والده. يمكن نقدر نوصل للسبب.

* للأسف والده مش عايش معانا.

- آه... تقصدي أنكم مطلقين.

* أيوا. ورشدي عايش معايا أنا وجوزي.

- هو دا... علشان كدا الولد محتاج معاملة خاصة. وأنا بقترح على حضرتك أنك تلفتي نظره إلى أنه يشترك في الأنشطة المدرسية... زي فريق الخطابة، الكورال، فريق المزيكا. الأنشطة دي ممكن تساعده كتير... وأنا من ناحيتي هاكلم منصور أفندي مدرس التربية الرياضية يختاره في بعض الألعاب الرياضية اللي ممكن يفرغ فيها العنف اللي جواه.

مفاجأة كبرى

عملت اقتراحات مدير المدرسة على تهدئة رشدي إلى حد ما، خصوصاً أنه بات مشغولاً بأنشطته الجديدة. غير أن ما أزال همومه واكتئابه هو عندما فوجئ بوالده يقف في ذلك اليوم أمام باب المدرسة هو ووالدته. لم يصدق رشدي عينيه، والداه يقفان في انتظاره للمرة الأولى منذ أن التحق بالمدرسة، ليس هذا فقط، بل كاد رشدي يطير فرحاً عندما علم أن والده استأذن إدارة المدرسة في إجازة لمدة أسبوع، وسيمضيها معه في «عزبة الأباظية» في الشرقية.

ما حرصت ليلى لويجي أن تغرسه داخل رشدي على مدار السنوات الماضية، من تعليمات صارمة في مواعيد الأكل والشرب، والنوم واللعب، ومتى الكلام أو الإنصات إلى الآخرين، ذلك وغيره، اختفى تماماً ولم ينفذ منه رشدي حرفاً في عزبة الأباظية في الشرقية، وبإيعاز من والده وليس تحريضاً على والدته وعصيانها، فهو يعرف أن رشدي سيعود إليها في نهاية الأسبوع، وأنها من تقوم على تربيته في ظل تنقله من مدينة إلى أخرى، ومن مديرية إلى أخرى. لكنه بحنان الأب، ظن أنه بكسر القواعد والتقاليد والمحاذير، حتى في ظل وجود الجدة الصارمة زينب أباظة، يمكن أن يزيل هموم الصغير ويخفف عنه، وأنه بالحنان والتدليل الزائد عن الحد يمكن أن يعوض الابن فقدان الأب لأشهر طويلة. ولكن بمجرد انتهاء العطلة وعودة رشدي إلى أحضان والدته، عاد كل شيء إلى ما كان عليه، وتحولت العطلة القصيرة في أحضان الوالد وطبيعة الريف الساحرة، إلى مخزون من الذكريات الجميلة التي يجترها الصغير عند اللزوم، إذا ما أغلق عليه باب حجرته وحيداً.  

تكررت زيارات والد رشدي له من حين إلى آخر، وفق ما تسمح به ظروف عمله، حتى فاجأه في إحدى الزيارات بما لم يتوقعه، بأن قطار رحلات عمله المتكررة اختار له محطة جديدة، وستكون في القاهرة. لم يصدق رشدي ما سمعه، فكانت المرة الأولى التي ينتابه فيها هذا الإحساس الطفولي البريء، بأن والده سيكون إلى جواره كل يوم، ومن المؤكد أنه سيذهب إليه في المدرسة، وسيستطيع أن يتباهى أمام أقرانه بأن له أباً مثلهم، بل يزيد عنهم بأن والده ذو مركز ومال وعزوة وعائلة لها أصل وتاريخ.

استقر والده في حي شبرا، ذلك الحي العريق الذي يسكنه أبناء الطبقة الارستقراطية، من بكوات وباشاوات، وكان أول ما فكر فيه أن يتفاهم مع ليلى في أمر ابنهما رشدي، حيث اتفقا أن يتركا له حرية اختيار العيش مع أيهما، أو أن يكون متنقلاً بينهما، بحيث يعيش بعض الوقت مع والدته، والبعض الآخر مع والده، وإن كان رشدي يفضل العيش معهما معا في آن، بمعنى أن تعود الحياة الزوجية بين والده ووالدته، وهو المستحيل بعينه، فقد تزوجت والدته، وراضية بزوجها، وفي الوقت نفسه تزوج والده، وهو الأمر الذي كان لا بد من أن يمهد له سعيد، قبل أن يكتشف رشدي ذلك بنفسه:

* مبسوط يا رشدي إني بقيت هنا جنبك.

- طبعاً يا بابي.

* شوف بقى أنت تعيش معايا في بيتي الجديد اللي في شبرا شوية... وبعدين تبقى تروح تعيش مع ماما شوية.

- لا. أنا هاعيش مع حضرتك في بيتك على طول.    

* كده. طب عال عال. طب شوف بقى يا سي رشدي. أنت دلوقت كبرت وبقيت راجل... وأنا كنت عايز أقولك على حاجة تانية مهمة.

- أتفضل حضرتك.

* طبعاً أنت عارف أن ماما اتجوزت وعايشه حياتها... وأنا مش هاينفع أعيش طول عمري لوحدي. أنا كان عندي أمل أن الحياة ترجع بينا تاني علشان خاطرك. لكن للأسف الظروف كانت أقوى مننا. علشان كدا كان لازم أتجوز أنا كمان هانم محترمة أوي هاتحبها وهاتكونلك أم تانية... وكمان هايكون لك أخت منها.

وقع كلام والده على رأسه كالصاعقة، فقد تزوج الأب من سيدة مطلقة، من إحدى أسر صعيد مصر، لها فتاة من زوجها الأول تدعى «فاطمة» في عمر رشدي تقريباً، اصطحبتها لتعيش معها في القاهرة، ما كان سبباً رئيساً ليعدل رشدي عن القرار الذي اتخذه بالعيش في بيت والده الوقت كله، ليكتفي بتمضية بعض الوقت معه. غير أن ذلك جعله ناقماً على حياته ووضعه الممزق، فلم يكن أمامه سوى أن يقبل الصيغة العائلية الجديدة، العيش بين «ميدان الأوبرا» وحي «شبرا» وعزبة الأباظية في الشرقية في الإجازات، فكان عليه أن يعيش التمزق بين العادات والتقاليد والأوامر الأباظية، وبين الطابع الأوروبي والالتزام الصارم في كل شيء، فوالدته بحكم إنها امرأة أوروبية لم تكن تتمتع بدفء مشاعر المصريين، ما جعلها تكون سبباً دائماً في عصبيته وضيقه النفسي، خصوصاً الخوف بسبب عقابها الصارم الذي لا هوادة فيه، على أي خطأ يرتكبه، لذا فرض على نفسه العزلة مبكراً، حيث اختار أن يعيش وحيداً في حجرته في الأوقات التي يمضيها في بيت والدته، أو حتى في بيت والده، رغم وجود طفلة معه في البيت في مثل عمره، ورغم محاولاتها الكثيرة التقرب منه ليكون أخاً لها، كما أوضحت لها والدتها. غير أنه لم يكن ينتظر منها حباً، سواء هي أو كل من في البيت، حيث كان يشعر بأن هذا بيت والده، وهذه حياته التي لا يجب أن يشاركه فيها هاتان الغريبتان، زوجة والده وابنتها، رغم محاولتهما حبه، فبات أسير إحساس قاتل بالوحدة‏،‏ وبأنه شخص غير مرغوب فيه‏، سواء في عالم أمه المختلف عن زوجة أبيه في دنيا والده الجديدة.

البقية في الحلقة المقبلة

رياضة ومقالب

راح الطفل رشدي يبحث عن شيء يستوعب المعادلة الصعبة في حياته‏، هذا الشيء كان الرياضة‏، التي قرر، من دون أن يدري، أن يلقي بنفسه في أحضانها، ليفرغ فيها مخزون الحزن والغضب، فاختار أعنف الألعاب الرياضية، حيث اتجه إلى لعبتي «الملاكمة ورفع الأثقال‏» معاً، إضافة إلى لعب «الكرة الشراب»، التي راح يمارسها مع رفاقه، وكثيراً ما كانت تنتهي هذه الألعاب بالمشاجرات، التي لا يتورع أن يبطش فيها بمن أمامه من لاعبين!

وجد رشدي نفسه بشكل كبير في الرياضة، في الشيء الوحيد الذي يفرغ فيها مخزونه من الغضب، غير أنها من ناحية أخرى فرضت عليه شروطها، فبات رشدي يلتهم كميات كبيرة من الطعام، تعوضه الطاقة والجهد اللذين يبذلهما، فكانت له طلبات خاصة في الطعام الذي يأكله، خصوصاً في بيت والده، فلم يكن يستطيع أن يملي شروطه للطعام في بيت والدته، التي تضع نظاماً لكل شيء، حتى لو كان ضد رغبته، ما جعله يمضي معظم الوقت في بيت والده في شبرا. غير أنه لم يكن يريد أن تشاركه فاطمة (أخته بالنسب) طعامه، وقد اكتشف صرامة والدتها وحرصها على تربيتها تربية «صعيدية»، فقرر أن يوقع فاطمة من آن إلى آخر في الخطأ ليتسبب أولاً في عقابها من والدتها بالضرب، وثانياً لحرمانها من الطعام حتى لا تشاركه طعامه. راح ينصب لها «الفخ» تلو الآخر، ليتسبب لها في «علقة ساخنة» وإذا ما أفلتت من العقاب ووجد أنها ستشاركه طعامه، كان يتعمد تنفيرها من الطعام من خلال اصطياده لأي «ذبابة» طائرة، لتتركه بمفرده، وأيضاً لا تسلم من العقاب على تمردها على الطعام.

رغم هذه «المقالب» والشر الطفولي البريء، فإن رشدي لم يكن يكره فاطمة، أو حتى والدتها، لكنه كان يثور في وجه الظروف التي وضعته في هذا الموقف، وربما هي نفسها التي جعلته ينظر إلى أي فتاة بأنها محور الحياة كلها، بداية من جدته السيدة «زينب أباظة» مروراً بوالدته التي تمسك بزمام أمور حياتها وحياة كل من حولها بمن فيهم هو شخصياً، ولولا القدر لكان والده أحد الذين تمسك بزمام أمورهم، وليس انتهاء بزوجة والده الصعيدية التي لا تعرف وسطية الأمور، لذا اكتشف ومن دون أن يشعر، أن المرأة هي محور حياته واهتمامه كله، وربما هذا ما جعله يقع أسيراً في براثنها في هذا العمر المبكر، ولم يكن قد بلغ الثانية عشرة من عمره، عندما وقع في الحب للمرة الأولى في حياته!