منذ السبعينيات، امتلأت أغلفة المنتجات الغذائية بشعارات تركز على الدهون، مثل عبارات {خالٍ من الكولسترول} أو {خالٍ من الدهون} أو {قليل الدهون المشبعة}. هذه الادعاءات التي تحمل نوايا حسنة تهدف إلى مساعدتنا على تجنب العوامل الغذائية المشبوهة. في النهاية، قد يؤدي الإفراط في أكل الدهون المشبعة إلى رفع مستويات الكولسترول السيئ، علماً أن هذا العامل يعزز خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

لكننا أدركنا خلال العقود الماضية أن الوضع ليس بهذه البساطة. حين تخلت شركات تصنيع الأغذية والمستهلكون عن الدهون في المنتجات والحميات الغذائية، تم استبدالها بكربوهيدرات مكررة، لا سيما الطحين الأبيض والسكر. راح الناس يتناولون كميات من رقائق البطاطا وقطع البسكويت التي تنخفض فيها الدهون، أو اللبن المُحَلى الخالي من الدهون وحبوب الفطور المكررة والخبز والرز الأبيض، فضلاً عن اللحوم المبردة القليلة الدهون.

Ad

إعادة النظر بالنصائح

يظن الخبراء الآن أن الحميات الغذائية الغنية بالكربوهيدرات المكررة تعزز موجة انتشار السكري والبدانة، علماً أن المشكلتين ترفعان خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. لكن ربما تقضي أبرز نصيحة غذائية مرتبطة بالقلب (وهي نصيحة لا تزال تؤيدها {جمعية القلب الأميركية} و«المبادئ التوجيهية الغذائية الأميركية}) بالحد من استهلاك اللحوم الحمراء والأجبان ومشتقات الحليب الكاملة الدسم، وهي المصادر الأساسية للدهون المشبعة التي نتناولها.

يقول د. داريوش مظفريان، عميد كلية فريدمان لسياسات العلوم والتغذية في جامعة تافتس في بوسطن: {بشكل عام، لا يمكن الحصول على معلومات مفيدة جداً من خلال تحديد كمية الدهون المشبعة في منتج معين أو في الحمية بكل بساطة}. تتعدد المأكولات التي تنخفض فيها نسبة الدهون والدهون المشبعة، مثل الباغل والتحليات الخالية من الدهون وصدر الحبش المصنّع والقليل الدهون، لكنها مضرّة أكثر من تلك التي تحتوي على بعض الدهون المشبعة مثل المكسرات والأفوكادو.

تقييم  أثر الدهون

في السنوات الأخيرة، شككت دراسات مهمة بأن الضرر الذي تسببه الدهون المشبعة يكون كبيراً بقدر ما كنا نظن. جمعت أحدث دراسة (نُشرت في {حوليات الطب الباطني} وشارك د. مظفريان في إعدادها)  بيانات من 72 دراسة لتقييم طريقة تأثير مختلف الدهون على خطر الإصابة بنوبة قلبية أو مشكلة ذات صلة. حين قارن الباحثون الأشخاص الذين يأكلون أكبر كمية من الدهون بمن يأكلون أقل كمية منها، لم يلحظوا اختلافات واضحة في ما يخص خطر أمراض القلب.

مقارنةً بالكربوهيدرات، ترفع الدهون المشبعة مستوى الكولسترول السيئ لكنها ترفع أيضاً مستوى الكولسترول الجيد وتخفّض معدل الشحوم الثلاثية. أثبتت التجارب والدراسات المبنية على المراقبة أن استبدال الدهون المشبعة بالدهون المتعددة عدم الإشباع (إنه النوع الموجود في زيوت فول الصويا أو الكانولا مثلاً) يخفّض خطر الإصابة بأمراض القلب. لكن لا يحصل الأمر نفسه عند استبدال الدهون المشبعة بكربوهيدرات مكررة، بل إن هذه الخطوة ترفع نسبة الخطر على ما يبدو. يؤدي تناول المأكولات الحلوة المذاق أو النشوية إلى زيادة معدل سكر الدم، فضلاً عن ارتفاع معدلات الشحوم الثلاثية والأنسولين وهرمونات أخرى يُقال إنها تعزز مشاكل البدانة والسكري وتشكّل الصفائح التي تسدّ الشرايين.

شككت بعض التغطيات الإعلامية للدراسة بقدرة الناس الآن على تناول البرغر، أو حتى دهن الزبدة على الخبز المحمص. يوضح د. مظفريان: {الناس يركزون على الدهون بشكل مفرط، لكنهم يغفلون عن المشهد العام. الخبز المحمص هو أسوأ جزء من الحمية كونه يحتوي على كمية كبيرة من الصوديوم ويكون مصنوعاً في العادة من حبوب مكررة ومصنّعة}. يمكن أن يتألف الفطور الصحي من بيضة مطبوخة في زيت الزيتون البكر مع السبانخ والفطر.

التركيز على الطبيعية

لا تريد التخلي عن الخبز المحمص؟ لا ضير من دهن قليل من الزبدة عليه ولكن من الأفضل دهن صلصة مصنوعة من زيت نباتي. إذا كنت تحب اللحوم الحمراء، يمكنك تناول برغر مصنوع من مقادير طازجة أو شريحة لحم بقر صغيرة من وقت إلى آخر. لكن لا تختر اللحوم المبردة والمصنعة التي تنخفض فيها الدهون. ما النفع من تراجع محتوى الدهون إذا كانت الأضرار كثيرة بسبب ارتفاع كمية الصوديوم والمواد الحافظة الأخرى؟ يقضي الخيار الأفضل بتناول الأسماك الدهنية مثل السلمون.

يشدد د. مظفريان على أهمية تناول المأكولات الطبيعية أو المصنّعة بالحد الأدنى: {بدأت العلوم الغذائية تركز على النمط الغذائي العام بدل التركيز على مغذيات معينة. إذا كُتب على المنتج جدول بالمحتوى الغذائي، فهو ليس الخيار الأفضل. يجب أن نتخلى عن الفكرة القائلة إننا نستطيع تصنيع حمية صحية بطريقة اصطناعية}.

تخفيف الاكتئاب والقلق

ساهم برنامج يمتد على ستة أشهر في تخفيف حدة الاكتئاب وتراجع العوارض الحادة التي ترافق مرض القلب.

لا شك في أن العيش بعد التعرض لنوبة قلبية أو مشاكل خطيرة أخرى مرتبطة بالقلب يفرض ضغوطاً شديدة على الحياة اليومية. يقول د. جيف هافمان، أستاذ في علم النفس في كلية هارفارد الطبية: {في مرحلة التعافي، من الطبيعي أن يتقلّب مزاجك وتشعر بالقلق أو الانزعاج أو التوتر}. من المألوف أيضاً أن تمتد هذه المشاعر على أسابيع.

لكن حين تسيطر مشاعر الاكتئاب والقلق على معظم أيامنا، تصبح المشكلة أكثر خطورة. يقول د. هافمان الذي يدير برنامج أبحاث علم النفس والقلب في مستشفى ماساتشوستس العام التابع لجامعة هارفارد: {تتراجع نوعية حياة المصابين بأمراض القلب إذا كانوا يشعرون بالاكتئاب ويصبحون أكثر عرضة لدخول المستشفى مجدداً وللوفاة بسبب أمراض القلب مقارنةً بغير المصابين بالاكتئاب}.

سعى هافمان مع زملائه إلى إيجاد طريقة أفضل لمعالجة هذه المشكلة الشائعة فاختبروا مقاربة {الرعاية التعاونية} لمعالجة الاكتئاب أو القلق أو اضطراب الهلع لدى 183 شخصاً دخلوا المستشفى لمعالجة مشكلة في القلب. تلقى نصفهم الرعاية المعتادة بينما خضع النصف الآخر لعلاج شمل استشارة عبر الهاتف ومعلومات يوفرها عامل اجتماعي. أوصى فريق الرعاية أيضاً بمضادات الاكتئاب عند الحاجة، وقد جرى التنسيق مع مقدم الرعاية الأولية للمريض. نُشرت الدراسة في مجلة {جاما} للطب الباطني.

أثبتت الاختبارات المصمّمة لتقييم نوعية الحياة المرتبطة بالصحة العقلية أن الأشخاص الذين تلقوا {الرعاية التعاونية} حققوا نتائج أفضل من جماعة الرعاية التقليدية، فقد تراجع مستوى الاكتئاب لديهم وتمكنوا من تحسين طريقة عيشهم يومياً.

بفضل الاستشارة عبر الهاتف، تبين أن البرنامج فاعل من حيث الوقت والكلفة، ولا داعي كي يشعر الناس بالقلق بشأن وسائل النقل. إنها ميزة إضافية لجميع المصابين باضطرابات قلبية جعلتهم يواجهون مشاكل في الحركة. بدأ هذا النوع من نماذج الرعاية يصبح أكثر شيوعاً.