في 4 يوليو 2013، طرح فريق أوروبي من علماء الفلك بقيادة هونغ شينغ تشاو من مركز {سوبا} للجاذبية في جامعة سانت أندروز نظرية جذرية جديدة خلال اجتماع علم الفلك الوطني للجمعية الفلكية الملكية في سانت أندروز. اعتبرت نظريتهم أن مجرة درب التبانة ومجرة {أندروميدا» تصادمتا منذ 10 مليارات سنة تقريباً وأن طريقة فهمنا للجاذبية تبدو خاطئة جداً. اللافت أن هذه النظرية تستطيع أن تشرح بكل وضوح بنية المجرتين وأقمارهما الاصطناعية.في عام 2009، قاد تشاو فريقاً دولياً من علماء الفلك الذين وجدوا رابطاً غير متوقع بين «المادة المظلمة» والنجوم المرئية والغاز في المجرات، ويمكن أن يُحدث ذلك الاكتشاف ثورة في طريقة فهمنا للجاذبية. اعتبر تشاو أن قوة مجهولة تؤثر على المادة المظلمة.
قال د. بينوا فامي (من جامعتَي بون وستراسبورغ): «يبدو أن المادة المظلمة «تدرك» طريقة توزيع المادة المرئية. بل يبدو أنهما تتآمران في ما بينهما كي تبقى جاذبية المادة المرئية على حالها ضمن قطر معين من الهالة المظلمة. إنها نتيجة مفاجئة جداً بما أن الجميع كانوا يظنون أن التوازن بين المادة المرئية والمادة المظلمة يتوقف بشكل أساسي على التاريخ الفردي لكل مجرة. النمط الذي تكشف عنه البيانات غريب جداً. الأمر أشبه بإيجاد حديقة تشمل حيوانات من جميع الأعمار والأحجام لكنها تتمتع على نحو عجيب بالوزن نفسه مثلاً. ربما تحكم قوة خامسة لا تتعلق بالجاذبية المادة المظلمة بيد خفية، ما يخلّف البصمات نفسها في جميع المجرات، وذلك بغض النظر عن الأعمار والأشكال والأحجام».قد تحلّ تلك القوة لغزاً أكبر يُعرَف باسم {الطاقة المظلمة}، وهي الطاقة التي تحكم التوسع المتسارع للكون. يتعلق حل أشمل بمراجعة قوانين الجاذبية التي طورها في البداية إسحاق نيوتن في عام 1687 قبل أن يُعاد صقلها عبر نظرية ألبرت أينشتاين عن النسبية العامة في عام 1916. لم يقرر أينشتاين بالكامل مدى الحاجة إلى إضافة مصدر دائم وكليّ الوجود إلى معادلته، أي ما يُعرَف الآن باسم {الطاقة المظلمة}. أعلن خبير الفيزياء الفلكية نيل ديغراس تايسون أن الطاقة المظلمة يجب أن تحمل اسماً جديداً: {الجاذبية المظلمة}.تنبثق الجاذبية من جميع المواد الموجودة في الكون ولكن تبقى آثارها مركّزة في موقع معين وهي تتلاشى بسرعة في المسافات الواسعة.أضاف د. فامي: {إذا راجعنا ملاحظاتنا وفق قانون مُعدّل للجاذبية، من المنطقي أن نستبدل حركة المادة المظلمة الافتراضية بقوة ترتبط بشدة بتوزيع المادة المرئية}. يمكن أن تغير تداعيات الأبحاث الجديدة جزءاً من أكثر النظريات العلمية شيوعاً بشأن تاريخ الكون وتوسعه.استنتج الباحث الرئيسي، د. جيانفرانكو جانتيل من جامعة {غنت}، أن {فهم هذه المؤامرة الغامضة هو المفتاح لحل لغز تشكّل المجرات وهياكلها}.أصل الجاذبيةفي يناير 2010، أحدث إيريك فيرلاند، أستاذ في الفيزياء النظرية وواضع نظريات مشهور، ضجة عالمية عند نشر دراسة بعنوان {حول أصل الجاذبية وقوانين نيوتن}، حيث تحدى مفاهيم شائعة عن الجاذبية وذهب إلى حد اعتبار أن الجاذبية غير موجودة بالنسبة إليه. إذا ثبت أنه كان محقاً، ستكون عواقب فهمنا للكون وأصله خلال {الانفجار العظيم} واسعة النطاق}.يقول روبرت ديجكغراف، أستاذ في جامعة فرجينيا والمدير الراهن لمعهد الدراسات المتقدمة في برنستون (حيث عمل علماء مثل تورينغ وأوبنهايمر وأينشتاين): {كل من يعمل في مجال الفيزياء النظرية يحاول تحسين نظريات أينشتاين. بحسب رأيي، وجد إيريك فيرلاند دليلاً مهماً لاتخاذ الخطوة اللاحقة}. تلقى فيرلاند جائزة {سبينوزا} (جائزة نوبل الهولندية) من {منظمة هولندا للعلوم}، وهو معروف بتطوير هذه النظرية أو الفكرة الجديدة التي تعتبر أن الجاذبية مجرد وهم. يقول فيرلاند: {الجاذبية ليست وهماً بمعنى أن الأجسام تسقط من دون رادع. يظن معظم الناس، في عالم الفيزياء طبعاً، أننا نستطيع وصف الجاذبية بطريقة مثالية عبر استعمال نظرية أينشتاين العامة عن النسبية. لكن يبدو أننا نستطيع أن ننطلق أيضاً من تركيبة مجهرية حيث تغيب الجاذبية لكن يبقى استخلاصها ممكناً. هذا ما يُسمى {انبثاق}}. تابع فيرلاند: {تتعدد الظواهر المماثلة في عالم الفيزياء. لنأخذ مثلاً مفهوم {الحرارة}. نختبرها كل يوم. يمكن أن نشعر بالحرارة. لكن إذا فكرنا فعلياً بالجزيئات المجهرية، فلن نجد فيها أي مفهوم عن الحرارة. الأمر يتعلق بتماسك جميع الجزيئات معاً، بما يشبه متوسط الطاقة في كل جزيئة}.بالنسبة إلى فيرلاند، الجاذبية عملية مماثلة. تظهر حصراً حين نجمع عناصر عدة على مقياس مجهري ثم نلحظ فجأةً ظهور معادلات معينة: {بصفتنا علماء، نريد أولاً أن نفهم الطبيعة والكون. عند القيام بذلك، نكون قد لاحظنا ظواهر محيّرة جداً مثل الظاهرة التي ترتبط بالمادة المظلمة. نشاهد حصول أمور لا نفهمها. لذا لا بد من وجود مواد إضافية لا نراها هناك. ثمة ما يسمى {الطاقة المظلمة} أيضاً. وسرعان ما نصل إلى الأحجية الأساسية عن بداية الكون. نحن نعرف الآن نظرية {الانفجار العظيم}}.شكل غامض من المادةيظن فيرلاند أن أفكاره ستسلط ضوءاً جديداً على مفهومَي {المادة المظلمة} و}الطاقة المظلمة} وما يجعلهما مهمّين بالنسبة إلى الجاذبية. يقول: {نظن أننا نفهم الجاذبية في معظم الظروف. لكن حين ننظر إلى المجرات، أو على مقياس أكبر مجموعات المجرات، نشاهد ظواهر تحصل ولا نفهمها عبر استعمال معادلات مألوفة مثل معادلة نيوتن للجاذبية أو حتى نظرية الجاذبية لأينشتاين. لذا يجب أن نفترض وجود شكل غامض من المادة، وهي تلك التي نسميها {المادة المظلمة} التي لا نستطيع رؤيتها. الطاقة المظلمة أكثر غرابة، بمعنى أننا لا نعلم تركيبتها. يمكن أن نضيف هذه الميزة إلى معادلاتنا لتحسين الأمور، لكن ثمة أحجية كبرى يجب حلها لمعرفة سبب وجود المادة وتحديد تركيبتها. في الوقت الراهن، لا نعرف المعادلات الصائبة لوصفها. لا بد من تحقيق تطور واضح لإيجاد نظرية أفضل عن الجاذبية وفهم ما يحصل في الكون}.على سبيل المثال، تعكس نظرية {الانفجار العظيم} الفكرة القائلة إن الأجسام بدأت تنفجر فجأةً وراحت تكبر في لحظة معينة ثم بدأ هذا الكون يتوسّع، لكن يعتبر فيرلاند أن حصول كل شيء خلال تلك اللحظة أمر غير منطقي.يضيف فيرلاند: {من غير المنطقي أن نقتنع بعدم وجود شيء في الكون قبل أن يحصل انفجار فجأةً. نحن نستعمل مفاهيم مثل الزمان والمكان. لكننا لا نفهم فعلياً معناها من الناحية المجهرية. قد يتغير هذا الوضع. يتعلق {الانفجار العظيم} بطريقة فهمنا لمعنى الوقت، وأظن أننا سنفهم الأمر مستقبلاً بطريقة أفضل. سنكتشف أنّ ما اعتبرناه {الانفجار العظيم} كان نوعاً مختلفاً من الأحداث. أو ربما يجب ألا نظن أن الكون بدأ في لحظة معينة بل يجب أن نقتنع بوجود طريقة أخرى لوصف ما حدث}.يظن فيرلاند أن المعلومات التي نملكها اليوم والمعادلات التي نستعملها راهناً تصف جزءاً ضئيلاً مما يحصل فعلياً، ويستنتج: {إذا كنا نظن أن مساحة معينة تنمو، مثل الكون الذي نعيش فيه، فيعني ذلك ضرورة أن يتراجع حجم مساحة أخرى. أظن أننا ما زلنا نغفل عن ظاهرة معينة وهي ستساعدنا على اكتشاف أصل الكون. باختصار، انبثق الكون من ظاهرة معينة ولم يظهر من العدم. حدث أمر محدد ويجب أن نكتشف المعادلات الصحيحة. يتعلق الأمر بالطاقة المظلمة وطريقة ارتباطها بالمادة المظلمة. إذا فهمنا المعادلات المرتبطة بتلك العناصر في الكون، أظن أننا سنفهم كيفية ظهور الكون بطريقة أفضل. أعتقد أن العملية تتعلق بالتفاعل بين تلك الأشكال المختلفة من الطاقة والمادة}.سياق أوسعنظرية {الانفجار العظيم} فاعلة بمعنى أنها تسمح لنا بفهم طريقة تشكّل عناصر معينة في الكون، ويمكن أن نراقب ظواهر أخرى في الوقت نفسه مثل الإشعاع المنبثق من {الانفجار العظيم}. لكن ستتغير فكرة توسّع الكون الذي بدأ بانفجار كبير. يوضح الأستاذ في الفيزياء النظرية إيريك فيرلاند: {يجب أن نفكر بالمعادلات وفق سياق أوسع. يجب ألا نكتفي بوصف جزيئات المادة. لا بد من معرفة المزيد عن معنى الزمان والمكان. ويجب أن تجتمع هذه المعطيات كلها لشرح مفهوم الانفجار العظيم}.احتاجت آليات الكمّ إلى 26 سنة تقريباً كي تتطور وفق استنتاجات فيرلاند: {حصلنا على نظرية متماسكة طوال 40 سنة لكننا لم نتوصل بفضلها إلى ظاهرة يمكن اختبارها مباشرةً عبر المراقبة أو التجارب. أظن أن فكرتي ستكون مخوّلة للاختبار عبر المراقبة، وهو أمر مثير للاهتمام. أعتقد أننا لن نحتاج إلى أكثر من 10 أو 15 سنة لتحقيق ذلك}.ستؤدي النتيجة النهائية بحسب رأيه إلى نقلة نوعية في طريقة تفكير الناس بمسار نشوء الكون.
توابل - Hi-Tech and Science
المادة المظلمة غير موجودة؟
16-02-2014
يظن فريق بحث أن التفاعلات بين المادة المظلمة والمادة العادية قد تكون أكثر أهمية وتعقيداً مما كنا نظن، حتى إنه يتوقع ألا تكون المادة المظلمة موجودة أصلاً وأن تنجم الحركات غير الطبيعية للنجوم في المجرات عن تغير في الجاذبية وفق مقاييس تقع خارج المجرة.