تحلّق الطائرات المقاتلة الصينية فوق الجزر في بحر الصين الشرقي منذ شهر نوفمبر. ومنذ بضعة أسابيع، هبطت مركبة فضائية صينية على القمر. وها قد أنقذت مروحية صينية الآن مجموعة من السياح في القارة القطبية الجنوبية. تبدو الصين قوية ونافذة جداً في هذه الأيام.هذا ما يجعلها أكثر خطورة. إذا ابتكر شخص بارع وحكيم ومتمرس سلاحاً مذهلاً، سيكون الأمر رائعاً. يمكنه أن يخدم قضية السلام به. لكن إذا اضطربت عواطف شخص ما، فهو سيوحي بالخطر رغم كل شيء حتى لو كان يملك أفضل المعدات. التكنولوجيا المعاصرة تتطلب الهدوء. يجب ألا نثق بشخص يملك سيارة لكنه غير مطلع على أمور المركبات أو الطرقات.
هل يعني ذلك أن القيادة السياسية الصينية لا تسيطر على مشاعرها؟النظام كله، وليس القيادة السياسية فقط، بل القيادة العسكرية أيضاً وبنية السلطة ونظامنا التعليمي والمجتمع كله يعاني من منع التدفق الحر للمعلومات. لهذا السبب لا يستطيع البلد أن يواجه المنافسة المفتوحة، ما لم يلجأ إلى تدابير كتلك التي تتبعها كوريا الشمالية.ما الخطب في نظام الصين التعليمي؟ وفق أحدث دراسة أجراها {البرنامج الدولي لتقييم الطلاب}، وهو تصنيف دولي لأنظمة التعليم، تحت إشراف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يُعتبر الطلاب في شنغهاي من أفضل طلاب العالم في علم الحساب والعلوم الطبيعية والقراءة.أظن أن نظامنا فارغ. لنتحدث مثلاً عن الإنسانية والنزعة الفردية والخيال والإبداع... إنها القيم التي يُبنى عليها المجتمع. أي نوع من التعليم نتلقى نحن وما هي الأحلام التي نحلمها؟ أتعامل مع طلاب كل يوم، من الصين وألمانيا والولايات المتحدة وهونغ كونغ وتايوان. وقد لاحظتُ أن الطلاب الصينيين هم الأقل تدريباً في ما يخص الذوق الجمالي، إذ يفتقرون إلى القدرة على رصد كل ما هو جميل أو مناسب. قد يكونون متعلمين وبارعين، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على إطلاق أحكامهم الخاصة بكل حرية. من المؤسف حقاً أن نرى راشدين بين عمر العشرين والخامسة والعشرين وهم لا يستطيعون اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. الأشخاص الذين لا يستطيعون فعل ذلك لا يتحمّلون المسؤولية. وكل من يفتقر إلى حس المسؤولية يلقي اللوم على النظام.لماذا تخضع لهذه المراقبة الجنونية؟ ثمة أكثر من 12 كاميرا حول منزلك.ثمة وحدة اسمها {المكتب 608} على ما أظن، وهي تلاحق الناس وفق فئات ودرجات معينة من المراقبة. واثق بأن المراقبة المفروضة عليّ تبلغ أعلى الدرجات. هم لا يكتفون بالتنصت على هاتفي واختراق حاسوبي وتركيب كاميراتهم في كل مكان، بل إنهم يطاردونني أيضاً حين أتنزه في الحديقة مع ابني.هل يمكن أن يعتاد المرء على هذا النوع من المراقبة المشددة والدائمة؟ما أقوم به بسيط جداً: حين احتسبتُ أنهم ركبوا 15 كاميرا حول منزلي، قررت أن أركّب أربع كاميرات إضافية داخل منزلي: واحدة في غرفة النوم وأخرى في مكتبي وغيرهما. فكرتُ في نفسي: إذا أردتم أن تعرفوا كل شيء عني، سأبث لكم حياتي وأظهر لكم أدق التفاصيل. ثم صرت أبث حياتي مباشرةً عبر كاميرات الويب.هل تعتبر الأمر جزءاً من الفن أم السياسة؟الاثنان معاً. طبقتُ استراتيجيات معينة لاستفزازهم وانتظرتُ لرؤية ما سيحصل. لم يحتاجوا إلى وقت طويل كي يتصلوا ويطلبوا مني إطفاء الكاميرات. فقلت لهم: {أنتم تريدون أن تعلموا ما أفعله. ثمة مئات الآلاف الذين يريدون أن يعلموا ذلك أيضاً وهم يتبعونني منذ أيام}. أصبح الحدث ضخماً. فقالوا لي: {أرجوك أطفئ الكاميرات}. فسألتهم إذا كان طلبهم اقتراحاً أم أمراً، فتبين أنه أمر. ثم أطفأت الكاميرات.شبكة الإنترنت تخضع لرقابة مشددة في الصين لكنها تعج بالأفكار والانتقادات.لهذا السبب تُعتبر شبكة الإنترنت أفضل ما حصل للصين. تحولنا إلى أفراد وتمكّننا من تقاسم أفكارنا ومشاعرنا. تولّد ثقافة النزعة الفردية والتبادل مع أن المجتمع الحقيقي لا يسوّق هذه القيم. ما من جامعة صينية واحدة يمكن أن تدعوني لألقي محاضرة فيها. أعلم أن عدداً كبيراً من الطلاب يحب أن يسمع ما لدي لأقوله.كيف تؤثر هذه الضوابط على عملك؟لا تؤثر عليّ فعلياً لأنني أعمل وأعيش على الإنترنت. حياتي الافتراضية أصبحت حياتي الواقعية. تنبهتُ لذلك مجدداً منذ بضعة أيام: طلبتُ من زملائي أن يطبعوا كل ما كتبته على موقع تويتر في السنوات الثلاث الماضية.على شكل كتاب؟يتألف من 20 مجلداً تقريباً، وهو عبارة عن كومة أوراق قد تصل إلى مستوى وركيك. أكتب كل ما أقوم به على تويتر أو أنستقرام. إنه معرض فني كبير. في السابق حضر المئات، أو ربما الآلاف، إلى معارضي. لكن حين أعرض أي فيديو اليوم، يشاهده نصف مليون شخص.حكومتك تضطهدك ولم تسمح لك بالسفر إلى الخارج منذ ثلاث سنوات تقريباً. لماذا لا تعطّل حسابك على {تويتر}؟ما من سبب واضح على حد علمي. العلاقة بيني وبين الحكومة الصينية تشبه الحرب الباردة.في السنة الماضية، اعتُقل عشرات الناشطين بعدما دعوا إلى اتخاذ خطوات فاعلة لمحاربة الفساد. لكن يبدو أن الجو السياسي بدأ يهدأ.أوضحت الحكومة الجديدة أنها لا تريد إثارة جدل علني بشأن هذا الموضوع. لذا اعتُقل شخص تلو الآخر بتهم يعلم الجميع أنها سخيفة. هؤلاء الناشطون يطالبون بكل بساطة بما قررته اللجنة المركزية منذ سنوات لكن لم يُنفَّذ القرار قط: يجب أن يفصح كبار المسؤولين عن أرصدتهم. مثلما حاولوا أن يلصقوا بي تهماً إباحية وضريبية، هم يحاولون إلصاق تهمة تنظيم {اجتماعات غير قانونية} بهؤلاء الناشطين. هم يريدون إثبات حجم نفوذهم. لسوء الحظ، تبدو سلطة {اللاقانون} قوية بقدر سلطة القانون.لماذا تصر الحكومة الصينية على اللجوء إلى تدابير مماثلة؟لأنها فاعلة. إذا أخبرتْكَ حكومتك بكل وضوح بأنها غير مضطرة إلى تطبيق القوانين وإذا حذرتك مباشرةً: لا تفكر بالمحاولة، سنوقفك بالطريقة اللازمة، وهكذا سينتهي أمرك! في الوقت نفسه، هذا الوضع خطير بالنسبة إلى الحكومة لأنه يُظهر مدى ضعف شرعيتها.ضعيفة أم يستحيل التشكيك بها؟لا تجرؤ بعد على الاعتراف بأنها لا تثق بشعبها، حتى بعد مرور ستة عقود. إنه أمر صادم. وصل الشيوعيون إلى السلطة في تلك الفترة لأنهم حظيوا بدعم الشعب. لكنهم لم يحققوا يوماً وعودهم. قال ماو تسي دونغ: سنتمسك دوماً بالشفافية وسيحصل الشعب على حق التصويت. مرت 64 سنة منذ ذلك الحين. أين صندوق الاقتراع؟وافق الحزب خلال مؤتمره في شهر نوفمبر على إصلاحات متنوعة، فهو يريد إغلاق معسكرات {إعادة التعليم} وتخفيف سياسة الطفل الواحد وكبح نفوذ الشركات التابعة للدولة. لكنه لا يريد فرض أي إصلاحات سياسية حتى الآن. يبدو أنه يأخذ الرهان نفسه مثل جميع القيادات الصينية منذ دنغ شياو بينغ: ما دمنا ناجحين اقتصادياً، لا نحتاج إلى الانفتاح سياسياً.الرهان أكثر خطورة بكثير اليوم. قال دنغ شياو بينغ: لنعبر النهر عبر البحث عن الحجارة بأقدامنا. لم يعد الوضع كذلك الآن. الحزب يسير على حبل شائك ومرتفع. هو لا يملك أي شبكة أمان. إذا سقط عن الحبل، ستكون الكارثة شاملة. لذا هو متوتر جداً ويحاول جعل كامل السلطة مركزية.هل فعلت القيادة الجديدة شيئاً منذ أن وصلت إلى السلطة قبل سنة؟لم تفعل شيئاً صائباً، وأقول ذلك بكل وضوح لأن اللعبة بسيطة: لا بد من استمالة الرأي العام. بما أن القادة بعيدون عن العالم الحقيقي، ما عادوا يفهمون حقيقة الواقع. كيف يمكن أن يكسبوا الثقة بهذه الطريقة؟ما كان رأيك بما حصل حين كشف إدوارد سنودن أن جميع الناس، وليس أنت فقط، هم ضحية التجسس بطريقة سلسة؟كان إدوارد سنودن أول من دق ناقوس الخطر وهذا الأمر وحده يجعله بطلاً. هزَّ سنودن فعلياً السلطة وفضحها، وهو أمر مذهل بالنسبة إلى قوة عظمى كانت تظن أن أحداً لا يستطيع محاسبتها.هل غيّر سنودن نظرتك إلى الولايات المتحدة؟ليس تحديداً، لأني أعلم أن الأميركيين يستعملون هذه المقاربة منذ الحرب العالمية الأولى. جميع الدول التي تملك الإمكانات التقنية تقوم بذلك. لكن تشكّل تسريبات سنودن فرصة لإعادة النظر بكل شيء. أنا معجب بالشعب الأميركي وبالبنية السياسية التي منحها لنفسه. لكني لا أتوهم بشأن السلطة. الخطر موجود أينما وُجدت السلطة.هل خيّب الرئيس باراك أوباما آمالك؟حين زار الصين، قلتُ له: أيها الرئيس أوباما، أرجوك ألا تأتي إذا كنت لن تتحدث عن حقوق الإنسان. نحن لا نطلب الشفقة. إذا كنت ستقيم علاقات عمل مع حكومتنا، فمن مسؤوليتك أيضاً أن تتحدث عن حقوق الإنسان. لا تتحدث حكومته عن حقوق الإنسان بما يكفي، لكن يجب أن أستثني وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي كانت تتكلم بكل وضوح عن حقوق الإنسان وحرية الإنترنت.من المتوقع أن تزور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بكين مجدداً هذه السنة. ما رأيك بالتزامها بحقوق الإنسان في الصين؟نشأت المستشارة ميركل في ألمانيا الشرقية، وتفهم نوع النظام الذي نتعامل معه، وقد تفاوضت بشأن حقوق الإنسان مع الحكومة الأخيرة. كان الأمر صعباً لكنها لم تستسلم مطلقاً. الإصرار على القيم هو شرط مسبق لكل محادثة مهمة. إذا لم نقم بذلك، سينظر العدو إلينا بنظرة فوقية. لكن لا يكفي أن نشدد على القيم من وراء الأبواب المغلقة. التفاوض بشأن حقوق الإنسان من تحت الطاولة يهين كلّ من يعنيه الموضوع.يريدون إسكات صوتيهل تتحدث مع السلطات وهل تتفاوض معها أحياناً؟نعم، اتصلتُ بها مرات عدة وأرسلت لها رسائل نصية. لكني لا أتلقى أي جواب. حتى إنني لا أحصل على أي رد من مكتب الضرائب الذي يدعي أنني أدين له بمبالغ ضريبية كبيرة. ما من تعليقات علنية بشأني. وجّه قسم الحملات الدعائية رسالة واضحة إلى جميع وسائل الإعلام: لا يُسمَح بالتفوه ولو بكلمة عن آي ويوي.لا وجود إذاً لأي انتقادات ضدك؟لا شيء. يريدون إسكات صوتي.هل تسمع رأي الحكومة بك من قنوات غير رسمية؟لم يتضح رأيها بي يوماً، حتى بعد الاستجوابات المكثفة. أحياناً يتفوه شرطي بعبارة مثل {نحن نحترمك}. إنه رأي أشخاص يجلسون أمامي في الاستجواب. خلال إحدى التظاهرات، صورني أحد ضباط الشرطة وأنا صورته أيضاً، ثم اقترب مني وقال لي: يا معلم نحن نحترمك.ما الذي تريده الحكومة؟حين خرجتُ من السجن بعد اعتقالي بتهمة الاحتيال الضريبي المزعوم، حاولت جميع السلطات إظهاري بصورة سيئة. لكن عندما تبرع لي 30 ألف شخص كي أتمكن من استئناف الحكم، أدركوا أن حيلتهم غير فاعلة. لم يسترجعوا بعد الأموال التي يُفترض أني أدين بها.إنه أمر غريب.بل غريب جداً. رفعوا ضدي قضية كبرى وأحدثوا تلك الضجة كلها وأخبروا العالم بأنني أتخلّف عن تسديد الضرائب. لكن حين استأنفنا الحكم، رفضت المحكمة الطلب ولم يأتوا حتى الآن لقبض الأموال.كيف تفسر ذلك؟أشتبه بوجود أقسام متنوعة تعيق بعضها البعض ويدرك المسؤولون أن هذه القضية كلها مزيفة. لذا هم ينتظرون أن يصدر الأمر من المراتب العليا.
توابل - EXTRA
الفنان الصيني آي ويوي: عالمي الافتراضي أصبح حياتي الواقعية
24-01-2014
في مقابلة مع صحيفة {شبيغل}، يناقش الفنان الصيني آي ويوي (56 عاماً) كيف تراقب السلطات أدق تحركاته بأساليب غريبة أحياناً ويتحدث عن خلافه مع الحكومة في بكين ومنعه من مغادرة البلد منذ ثلاث سنوات.