-1-

Ad

مصر اليوم موعودة بوعود كثيرة في الغد القريب:

موعودة بدستور جديد، والتصويت عليه...

وموعودة بانتخابات حرة ونزيهة، لمجلس الشعب الجديد...

موعودة بانتخابات حرة ونزيهة لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد...

وموعودة بمحاكمة مدنية عادلة، للمسؤولين السابقين من الفاسدين والواهمين.

وأخيراً موعودة بدولة عادلة وديمقراطية وحرة ونزيهة، تأمر بالبر والإحسان، وتدعو إلى حب الإنسان واحترامه... كل إنسان بغض النظر عن لونه، أو جنسه، أو دينه، أو معتقده السياسي.

ونأمل أن تتحقق كل هذه الوعود، وتكون مصر– كما كانت- المثال المُحتذى في العالم العربي، والعالم الثالث، والعالم الإسلامي، سياسياً، وثقافياً، واجتماعياً، ودينياً، وفنياً.

-2-

لا شك أن ثورة الشباب (30 يونيو)، هي التي شكَّلت وعود مصر السابقة في غد زاهر جميل. لقد كانت ثورة 30 يونيو ثورة شباب، حُرموا من التطلع إلى المستقبل. والحرمان من المستقبل، يعنى الحرمان من الوجود، كما يقول فيلسوف مصر المعاصر مراد وهبة.

فالغد القريب، والمستقبل البعيد وليس الماضي، هو سر الوجود، فإذا غاب المستقبل غاب الوجود.

-3-

ومن هنا، كانت ثورة 30 يونيو، من أجل استرداد الوجود.

فالوجود لا يُسترد إلا بالثورة، فكانت الثورة.

وهذه الثورة لها مميزات، لم يسبق لأي ثورة في التاريخ البشري، أن كانت على مثالها. ولعل أبرز مميزاتها، أنها جاءت في عصر العولمة، والثورة الإلكترونية في المعلومات، والاتصالات، والمعرفة.

ومن هنا نقول، إن هذه الثورة ثورة إلكترونية، بحكم استعانتها بأهم منجزات الثورة الإلكترونية، التي نشأت مع بداية القرن العشرين ومتواصلة مع القرن الحادي والعشرين. وهذا المنجز الذي يُدعى "التواصل الاجتماعي"، الذي حوله الشباب من أداة للنميمة، إلى أداة لتغيير الوضع القائم.

-4-

وقد لفت أحد المفكرين نظرنا، إلى ملاحظات مهمة، في مسيرة ثورة 30 يونيو منها:

- أن ثورة 30 يونيو ساندها الجيش، وهذه المساندة نقطة إيجابية.

- وأن هذه الثورة غابت عنها رؤية الوضع القادم، وهذا الغياب نقطة سلبية، إلا أن هذه السلبية لها ما يبررها، وهو أن هؤلاء الشباب بحكم المرحلة العمرية ليسوا مؤهلين لتكوين رؤية للوضع القادم، إذ إن هذه مهمة المثقفين في الحد الأدنى، ومهمة المفكرين والفلاسفة في الحد الأقصى، وقد أصيبت هذه المهمة بغيبوبة، والمطلوب إذن إيقاظها، حتى تستكمل الثورة بعدها الإيجابي.

ولعل هذه الملاحظات، إحدى وسائل الإفاقة الأساسية.

فعلى المثقفين- كما يقترح وهبة- مهمة الدعوة إلى تأسيس قاعدة لثورة 30 يونيو، على أن تكون فكرتها الأساسية بناء تصور لعقد اجتماعي جديد، يحدد أبعاد الوضع القادم،

وهذا العقد الاجتماعي الجديد، سيتجاوز العقد الاجتماعي القديم، الذي كان يستند إلى أصولية وسلفية غير واقعية، تصادر إعمال العقل في النصوص التراثية، كما كان يستند إلى رأسمالية طفيلية تستثمر الأموال في غير المشروع؛ أي أنه كان يستند إلى علاقة عضوية قائمة بين أصولية وسلفية تراثية، ورأسمالية طفيلية.

-5-

أما العقد الاجتماعي الجديد، فإنه يستند إلى نقيض الأصولية، وهو الليبرالية التي تقر مبدأ إعمال العقل في النص التراثي، كما ترفض تحكم عقيدة بعينها في النظام السياسي للدولة والمجتمع، كما يستند إلى رأسمالية مستنيرة، تقف ضد الرأسمالية الطفيلية.

وإذا كانت الليبرالية هي نقطة البداية في تأسيس الديمقراطية، حيث لا ديمقراطية بلا ليبرالية، فالدولة تكون عندئذ ديمقراطية، ليبرالية، منفتحة، على الدول الموجودة على كوكب الأرض.

ومن هنا تتلازم الكوكبية مع الليبرالية، وتكون القيادة لثورة 30 يونيو، باعتبار أنها متمثلة لهذين البعدين، كما يظن وهبة.

-6-

وستبقى مصر دولة إسلامية وليبرالية، في الوقت نفسه.

وسيبقى الشعب المصري شعباً متديناً وليبرالياً، في الوقت نفسه، كما كان منذ آلاف السنين.

وسيتجاوز الشعب المصري الذكي والعريق حقائق التراث المطلقة المختلفة، ويحيلها– بذكائه- إلى حقائق نسبية، تخضع لعوامل الزمان والمكان والتاريخ المتغير، تغيُّر مياه النيل العظيم. وحيث إن المطلقات تتجاوز المكان والزمان، ففي حالة تطبيقها– كما يرى وهبة- على الأمور النسبية في حياتنا اليومية، ينتج أحد أمرين:

إما أن يتجمد النسبي فيمتنع عن التطور، وإما أن يتغير المطلق، لكى يساير النسبي، فتكون النتيجة الحتمية، تحول المطلق إلى نسبي، ومن ثم تنتفي صفة المطلق من التراث، ويدخل الإنسان في تناقض مع الحضارة، لأن الحضارة بحكم تطورها منحازة إلى الأمر الثاني.

* كاتب أردني