مذ تزوجت في المرة الأخيرة، وافتتحت محل الألبان والأجبان هناك في أسفل الجبل على الطريق العام المحاذي لسكة القطار، بدا كأنني تقاعدت عن حياتي السابقة، ولم يعد لي من الماضي غير الذكريات التي لا أجد من أحاوره فيها، كان زوجي أصغر مني سناً، ولم يكن يستطيع سماع حكايات عن أيام حياتي، ولم أجد متعة في الحديث معه عن تلك الأيام.

Ad

بدا مهتماً بالألبان والأجبان أكثر من الإصغاء إليّ، وربما الألبان والأجبان أقرب إليه مني، تغاضيت عن سلوكه كله، في تلك المرحلة كان الرجال بالنسبة إلي، مجرد كائنات لا جدوى منها، لا تعني لي شيئاً، لكن اعتدت عليهم في حياتي، لم أتوقع من زوجي الذي يصغرني بسنوات سوى أن يحاول استغلال ثروتي أو ما تبقى منها بطريقة ملتوية... كان من الصعب علي أن أدفن ذكرياتي وذاكرتي في متاهة الألبان والأجبان وناسها، هناك على الطريق الذي يعبره أناس في أكثر من اتجاه. الطريق كان كافياً لاستنهاض ذاكرتي.

الشرف كان اقوى من الذاكرة.

طوال وجودي في محل الألبان والأجبان، لا أقدر على محو صورة الوحش يحطم مرآتي في الحانة، صار شبحه يطاردني في كل مكان. أنفاسي تعرف الجريمة التي ارتكبت بحقي حتى حين أتلهى بتأمل أشجار التوت وشتول الورد الجوري. كان لشجر التوت حظ في ذاكرتي، يشبه طعم الدموع.

أفكر في معنى الشرف ولا أجد جواباً، ما الذي يبقى عندما يسقط الشرف؟ واستعيد مسار الشرف في كل لحظة.

لم يكن لي خيار سوى مغادرة المكان الذي ولدت فيه نحو متاهة أشعر فيها بالأمان. كنت اتمنى أن أكون صبياً بعضلات مفتولة، لأواجه الآخرين بالحجارة واللكمات. كنت اتمنى لو كنت صبياً لأتجنب هذيان الشرف الذي يخنق حياتي.

في مراهقتي كنت أخاف من البوح لئلا يكلفني هذا حياتي، لم أكن أكره مسقط رأسي، ولم أكن أكره أي شيء في الحياة، لكن صورة الوحش الذي حطم مرآتي جعلتني أنسى رائحة اليانسون والورد الجوري، بل أنسى رائحة الشام وأنسى أني فتاة جميلة.

الوحش يطاردني في كل وقت وحين، كان فاتحة قسوة لا تغادر ذاكرتي الطرية، وأمي النكدية بدل أن ترفع عني البلاء، تزيد من حضور الوحش في حياتي ويومياتي، تغتصب وجداني في كل كلمة تقولها، كأني لست ابنتها.

 قبلها كانت عيون الجيران تغتصب براءتي تلوكها بأسنان التماسيح، ووجه المغتصب كوحش يخترق عينيّ ويطفئ بريقهما، يجعلني أعيش تخيلات غريبة ومتوحشة. كل شيء من حولي وحش، كنت أسأل نفسي متى أخرج من الغابة الضارية، وفي كل مرة أصل إلى طرفها كانت أمي تعيدني إلى قلبها، كانت أمي ذات طباع مفرطة التوتر، حتى في لحظات السعادة تبحث عن النكد.

منذ صغري، وقبل أن أغادر طفولتي، اكتشفت أن الحياة ليست لعبة، حتى لو لعبناها حسب قوانينها نفشل، القوانين هي منطق الأقوياء، أو هي أحياناً أقرب إلى منطق الحظ.

سافرت عائلتي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وفشلت في كل شيء، لم أحصد سوى الهواء، وفشلت عائلتي معي حتى في تجارة الكشة في شوارع المدن، الحلم بالرفاهية صار كابوساً، ولم أقدر على الانتصار على الماضي بأي وسيلة، عدت مع أسرتي من السفر بحثاً عن إرث جدتي.

الابتسامة كانت على وجه خالتي حين استقبلتنا في بيتها، هناك في الدار العتيقة تحت شجرة التين العراقي الضخمة القريبة من بركة الماء، اكتظّ الجيران والأصدقاء للاستفسار عن أهلهم وأقاربهم، ربما لم يكن أحد منهم يدري بأحوالنا، كانوا يظنون أننا بتنا من الأثرياء، كانت اسئلتهم تدلّ على ذلك. أمي لا تقول شيئاً، بقيت صامتة وتشكر ربها، لكنها تخبئ في عينيها الكلام المر.

وفي الليل توارى الحديث عن الرحلة وانتهت استفسارات الناس، وخفتت الأصوات وبدأت والدتي تفكر في الإرث.

لم تكن خالتي تتوقع أن تعود أمي لتبحث عن الإرث، لم تكن أمي تتوقع أن تنكر خالتي أي تركة أو إرث لجدتي، فراحت تبكي حالها وفقرها كأن لا شيء بقي في الحياة سوى هذا الإرث.

أمام إصرارها قالت لها خالتي إن جدتي تركت منزلاً وحيداً في حارة صغيرة، تدخّل الوسطاء لإقناع أمي بشراء حصة خالتي من بيت جدتي، ظناً منهم أنها عادت من الغربة ومعها مال وفير، فراحت تبكي وتحكي لهم فشل أخوتي في التجارة وتشرّدهم في كل مكان، وزواج اختي نظلة من رجل في سن أبيها، ومضايقات الشرطة لنا، فما كان من خالتي إلا أن عرضت أن تشتري حصة أمي لقاء 150 ليرة عثمانية ذهبية. استلمت أمي المبلغ وحلّت رهنية منزلها القديم، وعادت إليه.

 

***

تألقت بجمالي فلاحقني الشبان في أنحاء الشام وحاراتها وأصبحت فتاة أحلامهم، في وقت كنت أتذوق في المدينة الذل والهوان، وأعاني من سوء التغذية، وكانت ثيابي بالية تشي بحالة الفقر المدقع التي أعيشها، لدرجة أني كنت أفترش ووالدتي الأرض وننام من دون سرير، وأخاف أن تتسلل الفئران إلى مخدتي.

ماضي الشرف لا يمضي، هكذا علمنا الأجداد، هكذا تقول العشائر، حين عدنا من الغربة كنت نسيت قليلاً حادثة الوحش الذي كسر مرآتي، لكن ابناء الحي الذي كنت أسكنه راحوا يسترجعون ماضيّ الأليم ويروون قصتي ويرددون: «جميلة وحلوة... لكن مسكينة لأن فلاناً اعتدى عليها وهي في السابعة من عمرها، من يا ترى سيقبل بأن يتزوجها»!!

الشرف وضع حداً لحياتي الهانئة، وصليت لو تصيبني نعمة النسيان، كنت أستمع إلى كلام الناس وأتساءل عن الذنب الذي فعلته، وأمام حزني تأثرت أمي للمرة الأولى ورثت لحالي، وصلّت من أجلي وطلبت مني الرحيل ثانيةً.

 

(*) فصل من رواية {بديعة} التي تصدر قريباً.