أصدر مجلس الأمة كتيّباً، خلال الأيام الماضية، عنونه بـ"أعمال مجلس الأمة" للفصل التشريعي الرابع عشر، للفترة من 29 أكتوبر 2013 وحتى 3 يوليو 2014. وجاء في المقدمة: "أبناء الكويت الأعزاء، هذه الصفحات القليلة كُتبت لكم، انطلاقاً من واجبنا تجاهكم وحقكم علينا نحن ممثلي الأمة. تستطيعون أن تسموه مجازاً كشف حساب أو جرداً سنوياً، نطلعكم فيه على ما أنجزناه وما حققناه خلال دور انعقاد كامل". وفي رصد لأولويات المواطن حسب استطلاع الرأي الذي أجراه مجلس الأمة، تأتي الأولويات لتشمل نواحي كثيرة من احتياجات المواطن الكويتي، وليس من بينها أي ذكر للثقافة أو الأدب أو الفن!

Ad

المتأمل في هذا الأمر، يقف على حقيقتين واضحتين ومؤلمتين، الأولى أن الشأن الثقافي والمثقف ما عاد يعني المواطن بشيء، والثانية، أن المشرِّع الكويتي أسير هوى المواطن، وهو لا يقلّ بعداً وهجراً للشأن الثقافي وهموم المثقف!

العالم يعيش عصر الفضاء المفتوح، وشبكات التواصل الاجتماعي، وصار كل إنسان يمثل مصدر معلومات قائم بذاته، وبالتالي فإن العالم ما عاد "قرية كونية" كتعبير مجاز، بل انكشف بعوالمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والفنية والرياضية، على بعضه بعضا، وصار الحدث بقدر ما يعني الأمة، يصل صداه إلى كل أنحاء المعمورة في اللحظة ذاتها.

قد يكون المواطن الكويتي مطحونا بعجلة المجتمع الاستهلاكي المتوحشة، وقد يكون ينشد مستلزمات العيش الكريم، وقد يكون ملَّ ثقل الحاجة، وهو يعيش، والحمد لله، في واحدة من أغنى دول العالم، لكن المؤكد أيضاً أن هذا المجتمع، كان حتى عهد قريب، منارة للفكر والثقافة والفن، ليس في محيطه الخليجي بل حتى العربي. فالكويت، وباتفاق جميع الدول العربية تكفلت عام 1976 ولمدة عشر سنوات، انتهت عام 1986، بوضع "الخطة الشاملة للثقافة العربية"، وجمع المرحوم عبدالعزيز حسين قرابة 600 مفكر وعالم عربي للنهوض بهذا العمل الجليل. لذا فإنه يجب أن يكون جلياً للسادة أعضاء مجلس الأمة، أن تجاهل الفكر والثقافة والفنون، هو سير عكس تيار الحياة العصرية، وأن المواطن في ظل وجعه، إذا نسي أو تناسى أهمية ذلك، فإنه يجب ألا يغيب عن أذهان ممثلي الأمة ومشرعيها!

الكويت أحوج ما تكون اليوم لاستعادة مكانتها الفكرية والثقافية والفنية، خصوصاً وأنها بدأت العمل على إنشاء وإنجاز، مجمعين ثقافيين، ربما سيكونان الأكبر والأهم في المنطقة والعالم العربي. لكن هذه الاستعادة يجب ألا تكون على مستوى دول محيطها الخليجي، الذي سبقها بمراحل، ولكن يجب أن يتجه التفكير إلى الخروج بالفعل الثقافي والفني الكويتي إلى الساحة العربية، ومنها إلى الساحة العالمية.

وقد يرى البعض أن في هذا الكلام مبالغة، لكن المتأمل العارف في المشهد الإبداعي والثقافي والفني الكويتي، يدرك تماماً كم هي غنية هذه الأرض بمواهب أبنائها، ويدرك أيضاً أن العالم شهد لهم بإبداعهم اللافت، وكرَّمهم كأجمل ما يكون التكريم.

أعلم تماماً، وأعيش ومعي الشعب الكويتي، نبرة السجال السياسي العالي، والذي سحب البساط من كل نشاط اجتماعي أو ثقافي أو فني، وصارت الأسرة الكويتية تعتاش، بكل أفرادها، يومياً على الزاد السياسي، مما أبعدها عما سواه، لذا يتوجب على صنّاع القرار، في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، إعطاء الثقافة والفنون ما تستحق من اهتمام وتقدير ورعاية، وأن يكون في القلب من ذلك مشاركة الشباب الكويتي.

لم تكن الثقافة ولا الفنون موجودة في كتيّب "أعمال مجلس الأمة" للفصل التشريعي الذي انقضى، لكن الأمل أن تكون حاضرة في أعماله القادمة، وإلا فالموات الثقافي هو موات لضمير الأمة وحضورها بين الأمم!