كلما أمعنت في التفكير حول ماهية الإصلاح السياسي الذي نريد، ألح عليّ التساؤل حول الأسباب الحقيقية وغير التقليدية لحالة التردي التي نعيش. وكلما زاد بحثي في هذا الموضوع، تعمقتْ لدي القناعة بأن الإصلاح العاطفي والنفسي لابد أن يتلازم مع أي إصلاح سياسي لأنه يضاهيه في الأهمية. ولا أهدف هنا إلى التقليل من أهمية الإصلاحات السياسية أو تسطيحها، إلا أنني أعتقد أنها لن تكون مجدية إذا لم يصاحبها تغيير في نفسية وعقلية الأفراد؛ فالشعوب العربية بصورة عامة شعوب انفعالية وعاطفية، غالباً ما تحركها ردود الأفعال بدل التفكير العقلاني المتجرد من العواطف، وبما أننا في الكويت لا نختلف عن ذلك كثيراً أصبح لزاماً علينا التركيز على هذا الأمر.

Ad

في دراسة نشرها أستاذ العلاقات الدولية السيد دومينيك مويسي، يؤكد على العلاقة بين العواطف السائدة في مجتمع ما وتقدم أو تأخر تلك المجتمعات. وترتكز نظرية مويسي على فرضيتين: أولاً، أننا لا يمكننا دراسة العالم الذي نعيش فيه دون دراسة العواطف والانفعالات السائدة في المجتمعات. ثانياً، أن العواطف والانفعالات مثلها مثل الكوليسترول، منها النافع ومنها الضار. والمشكلة دائماً تكمن في إيجاد حالة التوازن الصحي بين النافع والضار.

وترتكز الدراسة على ثلاثة أنواع من العواطف: الخوف، والأمل، والإذلال، لأنها جميعاً ترتبط بمفهوم الثقة، والثقة هي العامل الذي يحدد للأفراد أو الشعوب تعاملهم، بعضهم مع بعض، ومع التحديات التي تواجههم. ويرى الكاتب أن العالم العربي والإسلامي بصورة عامة (مع بعض الاستثناءات) تسوده مشاعر الإذلال على المستويين السياسي والثقافي وتعلو فيه مطالب الانتصار للكرامة، بينما تسود مشاعر الأمل لدى الشعوب الصاعدة مثل الصين والهند وسنغافورة وكذلك الإمارات (على الرغم من اختلاف أنظمتها السياسية والتي هي في الغالب أنظمة غير ديمقراطية).

ويرى الكاتب أنه إذا كان الأمل يرتكز على الثقة، فإن الشعور بالإذلال يرتكز على العجز، وهو شعور ينبع من إحساس الفرد بأنه فاقد للسيطرة على حياته، سواء بشكل فردي أو بشكل جماعي (كشعب). وعندما يتنصل القادة والأفراد من مسؤولياتهم، يجنح من يشعر بالإذلال إلى لوم «الآخر» أياً كان. وكما يؤكد الكاتب، فإن المشاعر مثل الكوليسترول، فقد يشعر الإنسان بالإذلال وقد يصاحب ذلك دافع للإنجاز وإثبات الذات، وهنا ترتبط مشاعر الإذلال بالأمل. لكن عندما يغرق الإنسان في مشاعر الإذلال مع فقدانه للشعور بالأمل، هنا تنتج مشاعر اليأس والرغبة في الانتقام، والتي بدورها تتحول إلى العمل على التخريب والتدمير؛ فعندما لا يستطيع البعض بلوغ ما يبلغه الآخرون الذين يعتقد أنهم سبب شعوره بالإذلال، ينصرف إلى الانتقام منهم وتحطيمهم.

والخوف كل الخوف من انتشار مثل تلك النزعات التخريبية، كما هو واضح لدى الكثير منا، والذي يرجع سببه إلى مشاعر الإذلال واليأس والعجز والفشل؛ فالواضح أننا ننتقم من أنفسنا ونحطم كل جميل لدينا قبل كل شيء، فهل نملك الرغبة والشجاعة لاستبدال تلك المشاعر بالأمل والثقة؟