يصعب علينا، نحن متابعي المسلسل المحلي، أن نعرف الصادق من الكاذب، والطيب من الشرير، والوطني من الباحث عن مصالحه الشخصية، فالوجوه كلها اصطبغت بالألوان الزاهية، والزيف غطى جدران القلوب حتى لم يعد أصحاب القلوب أنفسهم يعرفون إن كانت مشاعرهم صادقة أم كاذبة... وكذلك نحن!

Ad

 "Game of Thrones" أو "صراع العروش" مسلسل يتابعه الملايين في العالم بشغف منذ ثلاث سنوات ليشهدوا نهاية الصراع على العرش الحديدي الذي يمثل السلطة المطلقة في الممالك السبع، وقد تعاطف كل مشاهد مع طرف من الأطراف المتصارعة أمامه على الشاشة، وود لو أنه دخل محارباً معه حتى يصل إلى غايته الكبرى، وهي الوصول إلى العرش على جماجم الأعداء... وخراب الممالك!

أحداث المسلسل المستوحاة من رواية للكاتب "جورج مارتن" تقع في قارتين خياليتين هما "ويستروس وإيسوس"، حيث تتصارع سبع عائلات نبيلة للسيطرة على العرش، وخلال ذلك يتنامى خطر على الممالك من جهة الشمال المتجمد تجسده مخلوقات خيالية ومتوحشة يفصلها عنهم جدار جليدي مهدد بالذوبان في ظل صيف طويل امتد لأكثر من عقد من الزمان!

وهو يتعرض من خلال أحداثه لقضايا عديدة كالتفاوت الطبقي وأثر المعتقدات الدينية في تأجيج الصراعات والحروب الأهلية ومسبباتها كذلك عن الجنس والجريمة والعقاب، حتى الآن يعتبر المسلسل هو الأكثر تكلفة في تاريخ التلفزيون، حيث يظهر القائمون عليه المواقف المدهشة والخارقة للطبيعة بأروع صورة شاهدها متابعو المسلسلات التلفزيونية، ويغطي الملاحم الكثيرة التي تشهدها الممالك السبع في قارة "ويستيروس" الخيالية، حيث تتنافس العائلات النبيلة لأجل الحصول على السلطة المطلقة، وفي سبيل ذلك، يحرق كل طرف منها الأخضر واليابس، ويدوس على كل المبادئ والقيم الأخلاقية مستخدماً أسلحة الدين والمال والجنس، بل حتى السحر والشعوذة للوصول إلى غاياته ورغباته في التملك والسلطة!

في الكويت، هذه الأيام، وعلى أرض الواقع لا على شاشة التلفزيون، يدور لدينا صراع على السلطة يشبه ما يحدث في هذا المسلسل، إنما بطريقة واقعية بعيدة عن الخيال رغم أنها تماثله في الإثارة وفي قدرة السياسيين على الأداء التمثيلي الذي يفوقون به العديد من الممثلين الذين أدوا شخصياتهم باقتدار في ذلك المسلسل، لذلك، يصعب علينا، نحن متابعي المسلسل المحلي، أن نعرف الصادق من الكاذب، والطيب من الشرير، والوطني من الباحث عن مصالحه الشخصية، فالوجوه كلها اصطبغت بالألوان الزاهية، والزيف غطى جدران القلوب حتى لم يعد أصحاب القلوب أنفسهم يعرفون إن كانت مشاعرهم صادقة أم كاذبة... وكذلك نحن!

أقطاب عدة تتصارع دون هوادة على وراثة السلطة دون أدنى اعتبار لأي شيء آخر، وخلف كل قطب منهم اصطفت مجموعة من الضباع تنتظر رزقها من "الفريسة"، إنهم أدوات هذا القطب أو ذاك، أصحاب الكاريزما الساحرة، والأصوات العالية، والعبرات المخنوقة، كلهم يتغنى بحب الوطن، وكلهم يريد المحافظة على الدستور، وكلهم يريد تطبيق القانون، وكلهم قبل كل شيء، وبعده، ينفذ أوامر "العم" الذي يتبعه في دولة الأعمام العظمى!

صراع بالخفاء بين الكبار على "الكيكة" الكبيرة، لا يشاهده المواطن العادي، فكل ما يراه هو صراخ الضباع المزمجرة على بعضها بعضا، ونهش بعضها بعضاً، وشتم وتخوين بعضها بعضاً، وعلينا ألا نتسرع في حكمنا ونلومهم، فالفتات الذي نتكلم عنه هنا قد يتجاوز المليون، وقد يصل إلى العشرة حسب توقعات بعض المراقبين، لكل ضبع مخلص وفي و"مبلتع"!

وفي الآخر، بعد سنوات من الآن، ومهما كانت نتائج هذا الصراع، فالمؤكد أن الخاسر هو نحن، أنا وأنت وهو وهي، ممن لا ناقة لنا ولا وطن سوى الكويت، فإن خسرناه، خسرنا كل شيء، حاضرنا ومستقبل أولادنا الذين سيلعنون صمتنا وفرجتنا على من شغلنا بصراعه على العرش حتى ذاب جدارنا "النفطي" الذي حمانا لعقود مضت، لتهجم علينا الوحوش من كل مكان، تنهش لحمنا وتبصق على سذاجتنا!