بينما أستمع لأطلال إبراهيم ناجي بصوت أم كلثوم، لم يخطر ببالي حوار حبيبين بل تمثل لي أطفال سورية يتساءلون لم خلقوا لهذا القدر؟ كيف وصلوا إلى هذه الدنيا محملين بهذه التعاسة؟ إنه بلا شك "قدر أحمق الخطى"* سحق طفولة هؤلاء الأطفال، طفولة مفقودة في شوارع دول مجاورة يتجول فيها أطفال سورية حفاة، محرومين من أبسط الحقوق: لقمة ساخنة، سقف آمن، وكرسي مدرسة مضمون.

Ad

كل طفل يعيش في زريبة ما في طرابلس ممزق الملابس، كل طفل يتجول على كورنيش بيروت حافي القدمين، كل طفل ينام باكي العينين يشتهي سندويشة، كل طفل يتكور على نفسه يعتصره ألم ما دون فرصة في طبابة، كل طفل يفر فزعاً عندما يسمع صوت "خبط" عال، كل طفل يشتاق حضناً، حناناً، سريرا دافئا وغطاء ملونا وقصة جميلة، كل طفل تضيع منه كلمات الطفولة لتحل محلها كلمات الشارع القاسية، كل طفل تغيب دروسه وتحضر لديه دروس الشارع، كل طفل يبيع ممنوعات، يتسول، يشتم، يغضب، يتعنصر، كل طفل من هؤلاء، واحداً واحداً، ذنبه في رقابنا، أساه يشتري راحتنا وعذاباته نقبضها ثمناً لسعادتنا، كل طفل من هؤلاء يضيع لأننا لا نلتفت، لأننا لا نريد أن نعترف، لأنهم هناك ونحن هنا، يفصل بيننا جهاز تلفزيون، ما إن نغلقه حتى يختفوا ومعهم الألم والعذاب، ويمكننا ساعتها أن نتظاهر بأنهم غير موجودين، ثم نرقد في سلام آمنين.

أو، يمكننا أن نتحمل مسؤولياتنا، نلقي عن كواهلنا "خياش" الطائفية التي تنبعث بروائحها العطنة، نفكر للحظة أن لم يولد هؤلاء الأطفال لا سنّة ولا شيعة، لا مسلمين ولا مسيحيين، ولدوا "عارين" من كل تصنيف، ولدوا بأياد صغيرة وأقدام منمنمة وزغب على الرأس، تماماً كفلذات أكبادنا تمشي في بيوتنا، لا قدم لهم ولا ساق في مصيبتهم، مصيبة نحن صنعناها عندما سكتنا مطولاً وتعنصرنا مطولاً وجمعنا المال لماً ودفعناه في تطرفنا دفعاً جماً، فخلقنا جحيماً على الأرض وتركنا الأطفال يخوضونها بأقدامهم الصغيرة.

أعلم أنني قسوت، ونحمل جميعاً المسؤولية، وقلت ما لا يجب أن يقال، ولكنني معبأة بصور هؤلاء الأطفال، "وإذا ما التأم جرح، جد بالتذكار جرح". وأنا وأنتم، نتذكر من حين إلى حين، أما هؤلاء الصغار، فيعيشون العذاب والضياع كل حين. أدعوكم ونفسي إلى إنقاذهم، ليس هم فقط، بل لإنقاذ المستقبل كله في المنطقة كلها. إذا تركنا أطفال سورية المهجرين للشارع، فنحن نخلق جيلاً معبأً بالغضب وبثقافة هذا الشارع، نخلق جيلاً بلا مستقبل، وما يفعل غياب المستقبل وضياع الأمل؟ أنت وأنا أدرى.

مجموعة ليان تطلق حملتها بعنوان "ستميه"، تجدونها على "إنستغرام" و"تويتر" وعلى صفحة المجموعة الإلكترونية من أجل كل التفاصيل، الهدف: الوصول إلى عدد 600 طفل وتسجيلهم في المدارس، حملة تعليمية خالصة لا يد فيها لطائفة ولا ذراع لها في سياسة. بمئة دينار للطفل الواحد، تسجل ليان هذا الطفل لعام دراسي كامل في مدرسة، تحفظه من الضياع وتضع لبنة جديدة في بناء مستقبله الذي يبدو متأرجحاً وآيلاً للسقوط. ندعوكم جميعاً للمساهمة في هذه الحملة التي نتمنى أن تتفوق على هدفها وتصل إلى عدد أكبر من الستمئة من الأطفال المحرومين من التعليم. مئة دينار، ستنقذ بها ليس فقط طفلاً، ولكن مجتمعاً فمستقبلاً فالدنيا بأكملها. بانتظار طرقاتكم على باب صفحة ليان، طرقات الأمل والأمان.

ليان: layangcc.net

* "لست قلبي" لكامل الشناوي