قدّم بشار الأسد، بصفته مرشحاً رئاسياً، أداء جيداً، فقد أشرف على هدنة أدت إلى عودة إحدى أكبر مدن البلد إلى سيطرة الحكومة، كذلك حافظ على علاقاته مع حلفائه في إيران وحزب الله، فضلاً عن ذلك، ما زال يُعتبر رجل الشعب، في تناقض واضح مع المتطرفين الذين يسعون إلى السيطرة على البلد.

Ad

علاوة على ذلك، يُعتبر الأسد شخصية ذات قيمة كبيرة، فقد قاد بلاده عبر أوقات عصيبة، وهو يعِد بالاستقرار ويحظى بدعم جيش يستطيع تحقيق ذلك، إذاً، يبدو الأسد عموماً مرشحاً عالي المصداقية... هذا إذا تغاضينا عن واقع أنه تسبب في حرب ما زالت مستعرة حتى اليوم.

ولكن ثمة أسباب مهمة تجعلنا نفهم لمَ يعتبر كثيرون داخل سورية وخارجها الأسد مرشحاً عالي المصداقية: لأن كثيرين سيصوتون له. هذا مؤكد لأنه ما من بديل حقيقي، ولأن المناطق الوحيدة التي ستشهد عملية اقتراع تقع تحت سيطرة الحكومة، ولأن 40 سنة من الدعاية ألغت أي مرشح بديل، ولأن نظام الأسد أمضى ثلاث سنوات في تقديم البراهين على ما يعنيه شعار "الأسد أو نحرق البلد"... لكن السر الشائن في سورية اليوم يبقى أن الأسد سيفوز، حتى لو كانت الانتخابات الرئاسية حرة ونزيهة.

مهما كانت هذه الفكرة بغيضة، فإن الرجل الذي أشرف على تدمير منظم للبلد، والذي تسبب في عدد من اللاجئين أكبر مما شهده عهد أي حاكم آخر في الشرق الأوسط خلال هذا القرن، لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة، ولا بد من أن نتساءل عن السبب.

كنتُ في سورية في المرة الأخيرة التي واجه فيها الأسد اقتراعاً شعبياً عام 2007، فاكتست حينذاك الأبنية والطرقات السريعة بكلمة "نعم"، صحيح أن تلك الانتخابات اعُتبرت انتخابات رئاسية، إلا أنها لم تكن كذلك: فقد اكتفى البرلمان بتعيين الأسد رئيساً لولاية ثانية وطُلب من الشعب التصديق على هذا القرار، والمذهل أنه فعل ذلك بنسبة 97%.

رغم ذلك، أقرت المعارضة داخل البلد بحد ذاتها بأن الأسد كان سيفوز أيضاً في أي انتخابات حرة، فالنظام يتمتع بشعبية واسعة، قد لا تكون 97%، إلا أنها كافية لتشكّل الغالبية.

كي نفهم السبب وما سيدفع الملايين إلى التصويت للأسد بعد أسابيع قليلة، من المهم أن ندرك نظرة السوريين إلى بلدهم حينذاك ونظرتهم إليه اليوم.

في عام 2007، حتى في عام 2011، كانت الحياة في سورية تشهد تحسناً، صحيح أن التقدم كان بطيئاً وأن البلد كان يرزح تحت وطأة الفساد، إلا أن حياة كثيرين من الطبقة الوسطى في المدن، مثل دمشق وحلب، بدت أفضل مما كانت عليه سابقاً، كذلك اعتُبرت سورية أكثر أماناً من أي من جيرانها، حتى إن الفوضى في دولة العراق المجاورة بدت بعيدة.

لكن الانتفاضة بدلت هذا الوضع، وقد ندم كثيرون ممن دعموها في البداية لأنهم افترضوا أنها ستطيح بسرعة بنظام قائم منذ زمن على موقفهم هذا، في حين تحولت الأشهر إلى سنة والسنة إلى ثلاث.

يختلف الوضع عند النضال من أجل فكرة: لم يفكر الثوار في ميدان التحرير في مَن سيخلف حسني مبارك، ظنوا فحسب أنه سيكون أفضل بالتأكيد، وينطبق الأمر عينه على الثوار السوريين، لكن ما بدأ كحلم سرعان ما اتخذ شكلاً مختلفاً، فقد اختفت شعارات الثورة والحرية وتحوّلت إلى شعارات شخصية أولاً من خلال شخص محمد مرسي ومن ثم من خلال وجوه وأعمال الإسلاميين الذين تدفقوا إلى سورية.

نتيجة لذلك، بات المجتمع العلماني (الذي فُرض بالقوة إلا أنه كان قائماً) الذي أنشأه نظام الأسد معرضاً للخطر، ومَن يدافع عنه؟ سياسيو المعارضة السورية؟ ما كان هؤلاء معروفين، فقد أمضوا فترات طويلة في المنفى، وراحوا يتقاتلون بشأن مَن سيجلس على العرش حتى قبل أن يفرغ، أما السوريون داخل البلد، فبدأوا، حسبما بدا، يتجادلون بشأن اقتسام غنائم حرب لم يخوضوها.

وهكذا بدا المستقبل الذي قدمه هؤلاء مجهولاً وكريهاً، حتى أولئك الذين رفضوا دعاية أن الثوار إرهابيون وقبلوا فكرة أن النظام عنيف قاتل فضلوه رغم ذلك على الثوار المجهولين والعصابات المجرمة التي بدا أنها ستخلف النظام.

إذاً، بالنسبة إلى مَن لم يعانوا موت عزيز أو نفيه أو مَن يحمّلون الثوار السوريين مسؤولية عمليات القتل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لا تزال الحياة مع الأسد أفضل من المجهول الذي قد يواجهونه من دونه.

يجب أن يدفع هذا الواقع المعارضة السورية والمجتمع الدولي إلى التفكير بجدية في سياساتهما ومقاربتهما والرسالة التي يوجهانها إلى الشعب داخل البلد. حتى تدفق الأسلحة إلى الثوار له بعدٌ سياسي لأن الدعم سيلي النجاح والنجاح يتطلب سلاحاً، وبتسليح المعتدلين يمكّنهم المجتمع الدولي.

لم تنتهِ الحرب الأهلية السورية، ولم ينهِها الانسحاب من حمص، وبغض النظر عن ادعاءات الأسد وحزب الله وإيران، لن تنهي الانتخابات الرئاسية الثورة، فما عاد من سبيل إلى التراجع بالنسبة إلى كثيرين، فبعد أن رأوا عائلاتهم تُقتل وأولادهم يبحثون في التراب عن طعام وجيرانهم يفجرون إرباً إرباً، لن يقبلوا بأي تسوية مع النظام، وتبقى الثورة الحل الوحيد بالنسبة إليهم.

ولكن من الضروري أن تفهم المعارضة أن ثمة ملايين في داخل سورية ينتظرون رسالة ويحتاجون إلى رؤية عما ستكون عليه البلاد من دون الأسد، وإذا لم تتمكن المعارضة من سد هذا الفراغ بالنسبة إلى السوريين، فلا تستطيع أن تتوقع منهم النضال في سبيل المجهول.

* فيصل اليافعي | Faisal Al Yafai