اسمها أماني، كانت أشهر عضو في النادي الاجتماعي الكبير في العاصمة المصرية، وصاحبة أشهر مائدة على حمام سباحة النادي. أطلقوا على مائدتها {مائدة المطلقات} همساً من دون أن يجهر أحد الأعضاء أو يجرؤ على أن ينقل هذا الوصف إليها، أو أي من النساء الثلاث الباقيات من شلة المائدة. لكن الخبثاء أعطوها وصفاً آخر ربما كان أكثر دقة فقالوا إنها مائدة {المتمردات}، فالنادي مليء بالمتزوجات والمطلقات، لكنهن منتشرات فيه من دون أن يشكلن جهة أو جماعة أو شلة، مثلما فعلت السيدة أماني زعيمة المتمردات وصديقاتها الثلاث، بسمة وفاتن وعواطف.

Ad

الحديث على المائدة، التي كانت تخطف أبصار الرجال، كثيراً ما كان يتناول حرية المرأة التي يريد الرجل أن يكبتها، وطاعة الزوجة التي يسيء الرجل فهمها، فيحاول أن يكون هو السيد عليها. وغالباً ما كانت إحداهن تنتهز الفرصة لتتدخل في الحوار وهي تجتر ذكريات تجربتها الفاشلة، بسمة حاقدة على زوجها الذي دفعها دفعاً إلى طلب الطلاق بسبب غيرته الحمقاء وقد تحولت إلى شكوك أحالت حياتهما إلى جحيم، وفاتن ترى أنها ضحية زوج بخيل حتى في مشاعره. أما عواطف فقد كانت حماتها تريدها أن تكون نسخة من ابنتها، ودائماً تعقد المقارنات بينهما لصالح ابنتها، بينما زوج عواطف يميل إلى رأي أمه، ويدافع عنه حتى شعرت عواطف أنه شطب شخصيتها، وألغى وجودها فكان الطريق المسدود بينها وبينه إلى أن انفصلا.

كانت أماني باعتبارها زعيمة الشلة، تتباهى وتتفاخر بأنها هي التي طردت زوجها من شقتها وعلمته الأدب، حينما رفضت العودة إلى عصمته ولم تقبله راكعاً ومتوسلاً وباكياً، وإذا سألوها عن سبب الانفصال راحت تعدد أسباباً، تختلف من مرة إلى أخرى، من دون أن تنتبه إلى ما قالته سابقاً. أما الحقيقة التي كانت تخفيها أماني ولم تظهر إلا بعد سنوات فكانت تتناقض تماماً مع ما تدعيه، فلم تقل مثلاً أن زوجها هو الذي طلقها، وأنها كانت تحبه بجنون وحاولت أن تصالحه فرفض، بعد أن أهانته أمام أهلها لمجرد أنه انتقد ملابسها المتحررة وضياع وقتها في النادي وصداقاتها، وهاتفها الذي لا يعرف الصمت. لم تقل أماني إنها هي التي أحبت علاء رغم أنه كان وكيلاً للنائب العام ويصغرها بخمسة أعوام وأنها هي التي سعت إلى الزواج منه رغم أنه ينتمي إلى أسرة متوسطة، ولم تكن أماني، وهي تتحدث عن تجربتها، تشعر بأنها تكذب وتغالط وتخلط الأوراق، ربما خشيت من أن تهتز صورتها أمام الناس وأمام شلة المائدة، ربما أرادت أن تحتفظ بمكانتها كزعيمة للمطلقات فهي الأكثر ثراءً، والأكثر خبرة، والأكثر فتنة.

أماني حاولت مراراً وتكراراً جذب انتباه الرجال والشباب في النادي الاجتماعي، كان النادي يزخر بكثر منهم، لكنهم أجمعوا على تجنبها، فنظرتهم إليها لم تتجاوز نظرتهم إلى امرأة لعوب، ربما تكون متاحة لتمضية ليلة واحدة. أما علاقة دائمة فلم يفكر أحد في أماني أو بقية أفراد {شلتها} بجدية، ربما لأنها كانت تظهر طموحاً إلى الاستمتاع بأكبر قدر من الحرية الشخصية، وهو ما كان يخيف معظم شباب النادي الاجتماعي، فسيرة شلة {المطلقات} كانت تثير التوجس لدى نساء النادي وفتياته، فيما لم يهتم شباب النادي بسيدات الشلة، لأنهن حصلن على سمعة سيئة، شاركت في صنعها سيدات النادي اللاتي أصابتهن الغيرة من مقدار الحرية التي يتمتع بها أعضاء الشلة.

انقلاب في النادي

يوم الجمعة كان النادي الكبير يرتاح من مائدة المطلقات والضحكات الرنانة التي تدوي وتنطلق منها، ومن عبارات السباب التي توجه إلى النادل إذا تأخر بالطلبات. كل واحدة منهن كانت تنتهز يوم الجمعة لإنجاز مشاوير الأسبوع، والتردد على خبير التجميل والقيام ببعض الزيارات الخاصة. ومع خلو المائدة لم يكن أعضاء النادي يجرؤون على الجلوس حولها في غياب صاحباتها، لكن فجأة خطفت سيدة ظهرت للمرة الأولى في النادي، الأنظار وسحبت البساط من تحت أقدام النساء، وصارت حديث الكبار والشباب وهي تمشي في خيلاء الطاووس تتحاشى النظر إلى أحد وتطلق نظراتها عبر الفضاء، ممشوقة القوام مثل لاعبات البالية، تملك أكثر مما تملك أية سيدة أخرى من عضوات النادي، عينان زرقاوان... شعر بلون الذهب وملمس الحرير ممتد الطول حتى منتهى العمود الفقري... شقراء بملامح أوروبية من دون أن تفقد حمرة الخجل الشرقية... ويبدو أنها لم تكتف بهذا الجمال الطبيعي فجعلت من ملابسها قطعاً على سبيل العينات، تكشف أحياناً أكثر مما تستر. كان دخولها النادي انقلابا بجميع المقاييس.

لم يعرف الأعضاء عنها أكثر من أنها  تدعى نانسي، وكانت زوجة لأستاذ في كلية الهندسة ولضيق وقته ووقتها لم يترددا على النادي سابقاً. لكن بعد وفاته المفاجئة قررت الحسناء تمضية بعض الوقت في حمام السباحة، ربما لتبتعد عن أحزانها، وربما خافت من الوحدة بعد وفاة زوجها. المهم أنها ظهرت في النادي كما لو كانت نجمة سقطت لتنير هذا المكان،  ومع ذلك كانت حريصة على ألا تختلط بأحد أو تشارك في أنشطة أو تنشئ صداقات، إذا ما جلست على مائدتها انشغلت بقراءة بعض الصحف الأجنبية والعربية، وبين حين وآخر يقدم لها النادل فنجان القهوة لتشعل معه بعضاً من سجائرها.

انشغلت أماني زعيمة المطلقات بصاحبة الوجه الجديد واخترعت أسباباً للتعرف إليها عن قرب، ونجحت المحاولة وجذبت أماني الأرملة الشقراء نانسي إلى مائدتها، وكان طبيعياً أن تهتم الأربع متمردات بقصة نانسي من دون أن تعرف إحداهن ما يخبئه لهن القدر من مفاجآت. قالت نانسي إنها فرنسية الأصل، نشأت وتربت في ريف فرنسا حتى شب عودها وفوجئت بشاب مصري يتقدم للزواج منها بعد حب جارف ربط بين قلبيهما، كانت تظنها علاقة عابرة أو نزوة شاب يدرس الدكتوراه في باريس ويحتاج إلى أنثى إلى جواره، لكن ما إن طلبها عمرو للزواج حتى أحبته بعنف، وصارت النزوة وهماً والعلاقة حقيقة واقعة. لم يرفضه أهلها ولكنهم اشترطوا أن تحتفظ ابنتهم بديانتها المسيحية ليباركوا هذا الزواج، ولم يعترض عمرو.

 تم الزواج سريعاً وعادت معه إلى القاهرة حيث انقلبت حياتها رأساً على عقب. عشقت مصر وأجادت اللغة العربية وتفننت في طهو الوجبات المصرية، ومع إشراقة شمس كل يوم جديد كانت تذوب عشقاً في مصر وتتألق حباً لزوجها رغم فارق السن الكبير بينهما، ومنذ وطأت قدماها أرض هذا الوطن الجديد رفضت أن تحتفل بعيد ميلادها مؤكدة أن في حياتها عيدان فقط، يوم زواجها من عمرو ويوم حصولها على الجنسية المصرية. لكنها الدنيا... مات عمرو من دون أن يمرض أو يصيبه حادث بل كان في كامل صحته، جالساً معها يضحك من أعماقه، وفجأة سكت الكلام، وأغمض عمرو عينيه إلى الأبد.

الغريب أن المتمردات تعاطفن مع نانسي وربط بينهن وبينها حب أسطوري فاعتبرتها كل منهن أختاً لها وكاتمة لأسرارها، وكانت ثلاث سنوات ذهبية هي عمر المائدة التي انضمت إليها الأرملة الشقراء مع المطلقات الأربع.

شهر العسل

لا جنة فوق الأرض، ولا أمان للدنيا، أخبرت نانسي الشلة ذات يوم  بخبر نزل عليهن كالصاعقة، قالت إنها اشترت شقة جديدة في التجمع الخامس لتكون مقراً لمشروع مكتب الترجمة من الفرنسية إلى العربية ومن الثانية إلى الأولى. وشقة أخرى للسكن لتكون إلى جوار مشروعها الجديد، وأضافت كأنها تذيع بياناً مهماً أنها حصلت على وظيفة مهمة للغاية في إحدى الوزارات السيادية لتعمل مترجمة من الثامنة صباحاً وحتى الثانية بعد الظهر. أصاب الحزن صديقات نانسي لفراقها المفاجئ، وراحت كل منهن تعاتبها بشدة  لأنها فاجأتهن بهذه الأخبار التي لم تحدث فجأة، ولا بد من أن لها خطوات لم تصارح بها نانسي صديقاتها في حينها. اعتذرت نانسي وودعتها الشلة بالدموع بعدما حصلن منها على أرقام هواتفها الجديدة.

رغم تبادل القبلات فإن شلة {المطلقات} عقدت اجتماعات عدة لم يكن محور النقاش فيها إلا نانسي والتغير الذي طرأ عليها. كان الحقد واضحاً في كلام الشلة، فكل واحدة منهن كانت تحسد نانسي الفرنسية على النجاح الذي حققته في مصر، وهن {بنات البلد} لم يستطعن تحقيق نصف هذا النجاح. واحدة من أعضاء الشلة عبرت عن مخاوفها صراحة من أن تستطيع نانسي بجمالها الأوروبي خطف أحد الشباب المصريين والزواج منه. لم يكن هذا غريباً، هكذا فكرت أماني، قدرات نانسي كأنثى كفيلة بإفقاد أي رجل اتزانه في لحظات، فالجمال رباني يبهر العقل ويشد الأنظار، والجلوس معها يشعرك بأنك تجالس فيلسوفاً أوروبياً. أما عندما تبدأ لحظات المرح فهي قادرة على انتزاع أصفى ضحكة من أكثر القلوب هماً، {مهمة سهلة}، قالت أماني لنفسها.

تمر أيام... أسابيع... أشهر... ونانسي {لا حس ولا خبر}، أرقام هواتفها لا ترد، وفجأة تتصل هي بهن وتخبرهن أنها ستزورهن في النادي بعدما عادت من شهر العسل. عضوات المائدة الشهيرة استقبلنها بترحاب جذب انتباه الجميع، وكانت الحفلة التي أقمنها لها حديث النادي الكبير. إلا أن عضوات الشلة اندهشن لعدم حضور عريس نانسي معها، اعتذرت لهن بأن وظيفته الحساسة تمنعه من الظهور في الأماكن العامة والحفلات، تظاهرت العضوات بقبول المبرر، وإن كانت كل منهن على يقين من أن نانسي خافت على عريسها من الجلوس بين شلة المطلقات.

مرة أخرى، اختفت نانسي ولكن عضوات الشلة قررن معاملتها بالمثل ما دامت أرادت الانقطاع عن النادي وقطع علاقتها بهن. لم يمض عام حتى وقع ما لم يكن يتصوره أحد، جعل اختفاء نانسي يثير اهتمام أعضاء النادي، خبر مثير نشرته جميع الصحف ذات صباح وكان على كل لسان خاصة بين أعضاء النادي الكبير وشلة مائدة المطلقات. يقول الخبر: مصرع مستشار في إحدى الهيئات العليا في الدولة، وأن سائق السيارة الذي دهسه أمام منزله تم القبض عليه في أحد الكمائن على الطريق الدائري وأن زوجة المستشار نجت من الموت بأعجوبة رغم أنها كانت تسير إلى جواره، وكانت الزوجة تدعى نانسي.

ويفجر السائق المتهم مفاجأة من العيار الثقيل حينما اعترف بعد ثمانٍ وأربعين ساعة من القبض عليه أن التي حرضته على  ارتكاب الجريمة هي السيدة التي كان يعمل لديها قبل ست سنوات وطرده زوجها من العمل، وأن هذه السيدة هي أماني مطلقة المستشار القتيل.

تكشفت الحقائق دفعة واحدة في النادي الاجتماعي الشهير، أماني التي كانت إحدى نجمات النادي والتي ملأت جوانبه قصصاً حول قدراتها الأنثوية الهائلة، ورفضها العودة إلى زوجها السابق رغم طلبه العودة أكثر من مرة، لم تكن إلا كذبة كبيرة. زوجها تركها بلا شفقة رغم بكائها وطلبها العودة مراراً. والأكثر سخرية أن من تزوجت زوجها السابق هي نانسي نفسها، الجميلة التي خدعت الجميع. لم يعرف أحد تفاصيل ارتباط نانسي بزوج أماني السابق، ما جعل كل مجموعة في النادي تدلي بدلوها، وتؤلف قصتها الخاصة عن تفاصيل التعارف بينهما، قبل أن تنتهي العلاقة بالزواج. اتفق الجميع على أن أماني كانت أكبر وهم عرفه النادي في تاريخه الطويل.

اعتراف

تلقي المباحث القبض على أماني ويصدر ضدها حكم بالإعدام، ونلتقي بها داخل سجن النساء، وسبحان مغير الأحوال، زعيمة المتمردات والمطلقات في النادي الكبير ذليلة في عنبر القاتلات، تتحدث بانكسار ربما لأول مرة في حياتها، قالت:

*تسرب لي خبر زواج نانسي من زوجي السابق فلم أنم أسبوعاً كاملاً حتى قررت الثأر لكرامتي. لا بد من أنها كانت تعلم أن عريسها هو مطلقي، ولا بد من أنه كان يعلم أن نانسي إحدى صديقاتي. إنها مؤامرة متكاملة الأركان، وجريمة لن يعاقبهما عليها القانون مثلما عاقبني أنا. كان السائق الذي طرده زوجي يكرهه بشدة لأنه قطع عيشه، وانتهزت فرصة حاجته إلى المال ودبرت معه سيناريو الانتقام، لكن سوء حظه أوقعه وأوقعني في يد العدالة.

** وكيف تعرفت نانسي إلى زوجك الأول؟

*أدفع حياتي ثمناً لأعرف الإجابة على هذا السؤال. عندما وصلني خبر زواجهما لم أهتم بالتفاصيل قدر اهتمامي بالانتقام، لكن الآن وخلف الأسوار العالية أعاتب نفسي لأني لم أهتم بمعرفة كيف تعرف كلاهما على الآخر.

**يبدو عليك الندم ، أراه فوق ملامحك وأسمعه في نبرات صوتك.

*كلما فكرت في اليوم الذي ستعلم فيه نانسي أنه قد تم إعدامي يصيبني حزن شديد، للشماتة التي ستكون عليها نانسي.

**هل زارتك شلة النادي؟

*قالت والمرارة تخنق صوتها: ولا واحدة، سوف تتسلى كل واحدة منهن بحكايتي، وكأنهن ملائكة وأنني الوحيدة التي كنت شيطاناً. عموماً أنا السبب في ما حدث لي.

**هل تفكرين في لحظة مواجهتك لعشماوي؟

*فكرت كثيراً، ووجدت أنه رجل كأي رجل، لكن الأصعب تلك اللحظة التي تقع عيناي فيها على حبل المشنقة للمرة الأولى وآخر مرة.

تركتها خلفي وما زالت علامات الندم فوق وجهها الذابل، لم تكن أماني سيدة طاولة المطلقات في النادي الاجتماعي الكبير، لم تكن تلك السيدة المنتفخة التي كان يعمل الجميع ألف حساب للسانها، كانت حطام امرأة دمرها الحسد والحب الذابل الذي انتهى بها إلى الانتقام الدموي، الذي دمرها قبل أن يدمر زوجها السابق وصديقتها الفرنسية. أرادت الانتقام فحصلت على الإعدام والحسرة.