وصفتها الصحافة على أنها هدية عيد الميلاد التي تقدم بصفة مبكرة إلى الرئيس وودرو ويلسون: في 23 ديسمبر من سنة 1913 أقر الكونغرس تشريعاً يقضي بتأسيس مجلس الاحتياطي الفدرالي... وبعد ساعات وقعه الرئيس ليصبح قانوناً.

Ad

لم يتوقع أحد في احتفال البيت الأبيض في ذلك اليوم ماذا ستكون عليه حال ذلك المجلس: مؤسسة جبارة تملك سلطة التحكم بالناس والاقتصاد في شتى أنحاء العالم. وترسم أعماله معدلات القروض ونمو الوظائف، كما تؤثر في التجارة وأسعار الأسهم وقوانين البنوك والأنظمة المالية، وتتخذ القرارات الاقتصادية مع التفكير بمجلس الاحتياطي الفدرالي، وتتمحور توفيرات التقاعد وفقاً لسياساته.

موجة هلع

ويقول بروفيسور علم الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا، سينغ وون سوهن: "لو أن وودرو ويلسون ومجموعة المصممين الآخرين لمجلس الاحتياطي الفدرالي علموا مدى القوة التي سوف يتمتع بها ذلك المجلس لأصيبوا بصدمة، فلا يوجد جانب من الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن غير متأثر بتصرفات مجلس الاحتياطي الفدرالي".

أنصار قانون سنة 1913 كانوا يحتشدون آنذاك لمواجهة موجة من الهلع المصرفي، وكان تدافع المودعين سبباً لتعريض البنوك للفشل والانهيار، وفي أغلب الأحيان يعقب موجات الركود حالات تدافع مماثلة وانهيارات، وقد شهدت سنة 1907 حالة هلع حادة بصورة خاصة، ونظراً لعدم وجود بنك مركزي آنذاك كان على "جي بي مورغان" التدخل من أجل إنقاذ النظام المالي.

قبل خمس سنوات حين ضربت الأزمة المالية الأخيرة الاقتصاد العالمي وحدث انهيار مالي، عمد مجلس الاحتياطي الفدرالي إلى توسيع نشاطه وسلطاته، وعلى غرار ما حدث في أسوأ أزمة شهدها العالم في الثلاثينيات من القرن الماضي، جاءت استجابته في صورة تيسير الائتمان، وطباعة النقود، وتعزيز الثقة.

ويقول مؤلف كتاب "التاريخ المقبل لمجلس الاحتياطي الفدرالي"، ديفيد جونز: "إذا كنت مديراً لبنك مركزي وتملك سلطة طباعة النقود والرغبة في استخدام تلك السلطة، فإن ذلك سوف يثير اهتمام الأسواق المالية، لقد ارتقى المجلس إلى مرتبة السلطة الحكومية الرابعة".

وفي ما يلي الطرق الخمس التي تمكن من خلالها مجلس الاحتياطي الفدرالي من توسيع نفوذه خلال القرن الماضي:

«نافذة الخصم»

لدى تأسيس مجلس الاحتياطي الفدرالي كانت "نافذة الخصم" أداته الرئيسة، وعندما كانت البنوك التجارية التي تأسست ضمن نظامه تعاني نقصاً في الأموال بات بوسعها الاقتراض من واحد من 12 مصرفاً إقليمياً تابعاً له، وقد أصبح ذلك دوراً حيوياً لمجلس الاحتياطي الفدرالي: مقرض الملاذ الأخير.

اكتسبت "نافذة الخصم" أهمية بارزة خلال الأزمة المالية، فقد كان هناك المئات من البنوك، بما فيها بعض أكبر المصارف في الولايات المتحدة، التي اقترضت من مجلس الاحتياطي الفدرالي، وقد قدم المجلس تريليونات الدولارات على شكل قروض، إلى البنوك الأميركية والأجنبية التي لديها فروع في الولايات المتحدة.

وساعد ذلك الجهد، إلى جانب صندوق الانقاذ الذي أقره الكونغرس، على إنقاذ النظام المالي، ولكن قانون "دود- فرانك" للإصلاح المالي في سنة 2010 عدل القانون الذي يحظر على  مجلس الاحتياطي الفدرالي تقديم مساعدات طارئة لكيانات غير مصرفية، مثل عملاق التأمين الأميركي "مجموعة أميركان إنترناشيونال" AEG (إيه إي جي) التي حصلت على مليارات من الدولارات. كما أن مجلس الاحتياطي الفدرالي أصبح الآن بحاجة إلى موافقة من وزير الخزانة في توجيه مساعداته، فضلا عن كونه لا يمكن توجيه هذا الدعم إلى شركة واحدة.

«فائدة الأجل القصير»

تلك هي رافعة مجلس الاحتياطي الفدرالي الرئيسة من أجل التأثير في الاقتصاد، وقد تم اكتشافها بطريق المصادفة تقريباً قبل ما يقارب العقد من الزمن بعد تأسيس المجلس الذي اكتشف أنها تستطيع التأثير في معدلات الأجل القصير من خلال بيع وشراء سندات الخزانة التي تحتفظ بها البنوك في صورة احتياطيات.

كانت حركة مجلس الاحتياطي الفدرالي بطيئة إزاء استغلال هذه القوة خلال فترة الركود، التي كانت تستلزم أن يقوم خلالها المجلس بإحداث هزة اقتصادية ضرورية للغاية.

ويستخدم مجلس الاحتياطي الفدرالي معدلات الفائدة القصيرة الأجل لتلبية هدفه الثنائي: تحقيق الحد الأقصى من التوظيف واستقرار الأسعار.

ومن أجل خفض المعدلات يقوم بطبع النقود واستخدامها لشراء سندات من البنوك التي تستطيع استخدام الاحتياطيي لتقديم قروض، ومن أجل رفع المعدلات يقوم المجلس بعكس ذلك تماماً: يبيع سندات الخزانة الى بنوك ويسحب الأموال من التداول- فترتفع المعدلات.

قبل أيام عزز المجلس التزامه إزاء خفض معدلات الأجل القصير، وقال إن من المحتمل أن يبقي سعر الفائدة الرئيسة عند مستوى منخفض قياسي يقارب الصفر إلى ما بعد وصول نسبة البطالة الى أقل من 6.5 في المئة عن المستوى الحالي البالغ 7 في المئة.

شراء السندات

نظراً لأن مجلس الاحتياطي الفدرالي لا يستطيع خفض معدلاته في الأجل القصير إلى أقل من الصفر فقد اتخذ خطوة أخرى من أجل تحسين النمو، ومنذ سنة 2009 بدأ بشراء سندات خزانة وسندات رهن عقاري ضمن برنامج لم يسبق اختباره من قبل على مثل هذا المستوى.

وكانت الفكرة وراء ذلك خفض معدلات الفائدة على قروض الأجل الطويل بغية تحفيز الاقتراض والإنفاق، وتضخمت عمليات شراء المجلس للسندات لتصل محافظها الاستثمارية إلى مستويات قياسية مسجلة 4 تريليونات دولار، وقد ساعدت تلك المشتريات على إبقاء معدلات الأجل الطويل منخفضة، ولكنها أثارت النقاد الذين عبروا عن مخاوفهم من أن يتسبب المجلس في تضخيم فقاعات أصول تمتد من الأسهم وصولاً إلى الأرض الزراعية.

وقبل فترة قليلة أعلن المجلس أنه سوف يبطئ من مشترياته الشهرية من 85 مليار الى 75 مليار دولار في الشهر.

انفتاح أكبر

حاول المجلس طمأنة المستثمرين بأن المعدلات القصيرة الأجل سوف تظل متدنية حتى بعد تحقيق معدلات البطالة لمزيد من الهبوط، وهذا التطمين جزء من جهوده الرامية إلى تحقيق مزيد من الشفافية من جانبه، وكان المجلس يحرص منذ وقت طويل على إجراء عملياته في إطار من التحفظ والسرية. حتى تسعينيات القرن الماضي لم يكن المجلس يعلن مواعيد تغييره لمعدلات الفائدة الرئيسية على الأجل القصير.

وابتداءً من فترة آلان غرينسبان- سلف برنانكي- أصبح المجلس أكثر انفتاحاً وشرع في إطلاق تصريحات بعد كل اجتماع بغية شرح ما قام به وأسباب تصرفاته.

ومضى برنانكي إلى ما هو أبعد من ذلك وعمد إلى تحديث توقعاته الاقتصادية بصورة أكثر تكراراً، كما أصبح أول رئيس مجلس إدارة يعقد مؤتمرات صحافية فصلية، وكان يظهر في مقابلات تلفزيونية ويعقد اجتماعات في مجلس المدينة، وقد شعر بعض النقاد أن المجلس حد من مرونته وقدرته على الحركة عبر الإفصاح الزائد عن خططه.

الاستقلال السياسي

سعى الكونغرس إلى عزل مجلس الاحتياطي الفدرالي عن المعترك السياسي بغية الحفاظ على استقلاليته، وعلى الرغم من ذلك أصبح المجلس هدفاً لحملات النقاد بسبب الخطوات غير القويمة التي اتخذها خلال السنوات الخمس الماضية، ويعتقد بعض النواب الجمهوريين أنه لا يخضع بما يكفي للمساءلة.

من جهة أخرى، يعتزم رئيس لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب جيب هينسارلنغ، وهو جمهوري من ولاية تكساس، مراجعة ما إذا كان يتعين إحداث تغييرات في عمليات مجلس الاحتياطي الفدرالي- خصوصاً أنه اضطلع بصورة ضمنية أو صريحة بالعديد من التفويضات والمهام بينما، تاريخياً، لم يخضع سوى لأقل قدر من الرقابة من الكونغرس.