نحن الكويتيين لنا نوعان من ردود الأفعال تجاه أي أحداث على الساحة المحلية، أولاً نخترع عدداً غير محدود من النكت والتعليقات الساخرة على الحدث، وهذا قد يكون أسلوب "ما بعد حضاري" جيداً ليضعنا في مواجهة أنفسنا، نضحك على أخطائنا وننتقدها ونصححها، وثانياً نبحث عن "آخر" نلقي اللوم عليه، فنحن دائماً ضحية، ونحن أبداً مستهدفون من الحاسدين والأشرار والغيورين، وهذا أسلوب يمحو كل أثر لسخريتنا من أنفسنا ويعيدنا إلى مربع الضحية التي يستهدفها العالم أجمع، وهي من كل ذنب خالية طاهرة.

Ad

من أكبر الأحداث إلى أصغرها، نحن دائماً ضحية بلا إرادة على ما يبدو، فالغزو العراقي كان نتاج إرادة عدو طامع مريض، "نحن ليس لنا أي يد في نفخ وتكبير وتقوية هذا الوحش لسنوات سبقت الغزو ومساندته في ضرب الشعب الإيراني بل شعبه هو بحد ذاته"، اعتصامات البدون هي نتاج طمع ورغبة في استغلال الكويت، وأحياناً نتاج تدخلات خارجية وأطماع إقليمية "نحن لم نظلم ونسكت عن عزل فئة حقيقية من مجتمعنا لسنوات غطت وتعدت ستة أجيال منهم، لم نخنقهم في حركتهم وسكناتهم ولقمة عيشهم وتعليمهم بل حتى صحتهم وحياتهم"، والآن مشاكل العمالة المنزلية وارتفاع أحداث العنف تجاه النفس وتجاه المستقدم هي نتاج تخلف شعوب بأكملها وعنفها ولربما نتاج عدم معرفتهم بالإسلام، "نحن لم نستقدم عمالة لتخدم أربعاً وعشرين ساعة لسبعة أيام، دون أدنى حد قانوني يرتب العلاقة ويحفظ الحقوق، فيما يشبه العبودية المقننة".

اليوم، وبعد وفاة فتاة في ريعان العمر على يدي العاملة الإثيوبية، انطلقنا نكيل الاتهامات ليس فقط لهذه العاملة، ولكن لشعبها بأكلمه، متهمين إياهم بأوصاف تخرج بهم عن الآدمية، ولم نفكر لحظة في دورنا في هذه الأحداث. لست هنا أقصد الإشارة إلى الفتاة المتوفاة، فهي رحمها الله ضحية بحد ذاتها لإهمالنا هذا الجانب المهم والكبير من حياتنا، إهمالنا الدفع بتشريع واضح وتفصيل مقنن لطبيعة العلاقة بيننا وبين العمالة المنزلية التي تشاطرنا كل حياتنا بأدق دقائقها وتفاصيلها، لكنني في الواقع أقصدنا جميعاً، كمجتمع متكامل يرفض تماماً تحمل مسؤولية ما يحدث له وحوله.

أن تذهب إلى عملك سبعة أيام في الأسبوع، بأربع وعشرين ساعة في اليوم، ألا يكون لك فرصة أن تعيش يوماً لنفسك، أن تلبس ثوباً جديداً وتجلس مع أصدقاء مقربين، ألا ترى أسرتك، أبناءك، والديك وأحبتك، أن تتعرض كثيراً للتوبيخ واللوم وأحياناً للشتائم وأوقاتاً للضرب وما قد يتعداه من عنف جسدي، ولا تجد منفذاً، لا تعرف أين تتجه لتأخذ حقك، تسمع أن شكواك للشرطة ستقلبها على عقبها "واسطة" هذا أو تدخل ذاك، وأحياناً دون واسطة، سيقلبها فقط التعاضد الكويتي ضد العامل الغريب، فتنتهي أنت في الزنزانة، لا تعلم من أمر نفسك شيئاً، ليتم شحنك بعدها لمكتب عمالة أو على طائرة عودة لبلدك بعد أن تكون قد صرفت حصيلة ما تملك في حياتك على مشروع قدومك لبلد تتغرب فيه لتطعم وتعلم أولادك، أن تمر ببعض هذا أو كله، أليس ذلك كفيلاً بطيران صوابك وفقدان اتزانك حتى لتؤذي نفسك أو الآخرين؟

ليس من الضرورة أن يعاني كل عامل عندنا مما ذكرت أعلاه، لكن يكفي أن تكون ظاهرة منتشرة وبقوة لتشكل خطراً حقيقياً محيقاً بمجتمعنا، والأهم بإنسانيتنا، فتدمرنا حياة وقلوبا. لربما هناك حالات عنف مبرراتها مختلفة، ولربما أن الفتاة المتوفاة رحمها الله، ذهبت ضحية اختلال نفسي لدى العاملة، وتلك مشكلة أخرى بحد ذاتها تتطلب إجراءات وقائية مثل التقييم النفسي للقادمات للعمل في البيوت، تقييماً ينفذ إيجاباً لا سلباً كعادة حلولنا، تقييماً يحترمهن ويعدهن للعمل القادم وليس تقييماً يهينهن أو يتهمهن.

إلا أن الأهم والأكثر إلحاحاً الآن هو النظر للموضوع بمجمله، دون ردود أفعال ساذجة وغضبات فوارة ينثر زبدها إلى حين ثم تنطفئ ولا تعود إلا بكارثة أخرى. نريد قوانين محددة ترتب العلاقة بين العاملة والمستقدم، تعطي كليهما حقوقه الكاملة وتخلي مسؤوليته تجاه الآخر البالغ، وتلك نقطة مهمة لمصلحة المستقدم وليس العاملة. نريد قوانين تحترم آدمية العاملة، تعطيها إجازتها الأسبوعية كاملة، تحدد لها حداً أدنى للأجر، وتوفر لها ملجأً وخطوات مرتبة للشكوى في حال تعرضها لأي نوع من العنف اللفظي والبدني.

تلك خطوة، تتبعها خطوات، نصحح طريقنا بما يحفظ لنا آدميتنا ويحفظ للعاملين حقوقهم وإنسانيتهم، ودون تلك الخطوات الحقيقية، دون تحمل المسؤولية المستحقة، سنبقى والعمالة المستقدمة نعاني جميعاً، وسنفقد أمننا والأهم إنسانيتنا على الطريق، فإذا كان فقد فتاتين في ريعان عمرهما، الفتاة الضحية رحمها الله، والفتاة العاملة التي استسلمت لشر أو مرض قادها للدماء، لم يرن جرس الخطر ويبث نداء التحرك، فما عساه أن يفعل؟