لا بد من الإشارة، أولاً، إلى وجود فلسفتين متناقضتين: فثمة مَن يسعون إلى اتباع خطة تتيح لهم بلوغ الهدف الذي يسعون إليه وآخرون يتركون مصيرهم بين يدي القدر إلى أن تأتيهم السعادة من تلقاء ذاتها من دون عناء، لأنهم يعتبرون أن السعادة حالة طبيعية يبلغها الإنسان في مرحلة ما من حياته.ولكن بين عاقدي العزم والحالمين، مَن يبدو محقاً؟ عندما نسمع الناس عموماً يتكلمون عن حياتهم وأحوالهم، يبدو لنا أن السعادة صعبة المنال حقاً، وأننا نسعى كلنا في أثرها من دون أمل. وربما يعود ذلك إلى أنها مختلفة بالنسبة إلى كل منا. رغم ذلك، تبدو الحياة التي يحلم بها معظم الناس تقليدية ومتشابهة: حب، عائلة، أولاد، ورخاء المادي إن أمكن. صحيح أن هذا الوجه المادي يُعدّ أساسياً للشعور بالسعادة، إلا أنه لا يُعتبر أولوية لا غنى عنها.
يسود التفاؤل عادةً سن الشباب، إلا أن السعادة سرعان ما تكتسب أهمية كبرى عندما يواجه الإنسان أولى المصاعب الحقيقية في الحياة أو حتى حدثاً مستبعداً قلما يخطر بباله، مثل موجة {تسونامي} التي ضربت اليابان وجعلت الناس يدركون أن الحياة السعيدة قد تتوقف فجأة بين ليلة وضحاها، من دون أن نملك القدرة على تغيير مجرى الأحداث.المتعةيذكر جول رينار: {علينا البحث عن السعادة}. تربط هذه العبارة، على ما يبدو، المتعة بالسعادة. ويعتبر كثر أن الانتظار لنيل المتعة والسعي إلى تحقيقها يعززانها. ولكن ثمة اختلاف بين المتعة والسعادة. فالمتعة ترتبط مباشرة بكل ما هو جسدي ومادي، في حين أن السعادة بحدّ ذاتها تشكّل مفهوماً مجرداً ونسبياً، وإن كانت ترتكز في جزء منها على عناصر ملموسة حسية.إذا اعتبر البعض أن السعادة ترتبط بالمتعة الجسدية، فلا تشكّل السعادة في هذه الحالة شعوراً دائماً أو حقيقياً. نتيجة لذلك، يميّز الفيلسوف سبينوزا بوضوح بين المتعة والسعادة. فهذه الأخيرة قد تتفتح في عالم عاطفي يُعتبر عادةً نقيض الألم والعذاب. كذلك ترتبط المتعة بمفهوم فانٍ عابر، في حين أن السعادة يُفترض أن تكون دائمة والسعي وراءها مستمر.عزيمة أم نتيجة؟لا يُجمع الفلاسفة على تحديد السعادة. لكن المناظرة الدائرة بينهم تعكس واقع حياتنا الذي نعيشه.بحث إيجابي ومتفائل:يدافع بعض الفلاسفة عن وجهة النظر القائمة على التفاؤل. ومن أبرز المتمسكين بهذه الفكرة الفيلسوف اليوناني إبيقور. يعتقد هذا الفيلسوف أن السعادة ترتبط بسد حاجات الإنسان البدائية، مثل الصحة والشعور بالأمان. كذلك تكون، أحياناً، نوعاً من مكافأة على موقف {حكيم} تبناه الإنسان في حياته. على نحو مماثل، يربط الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال السعادة بالإيمان، ولا عجب في ذلك. أما سبينوزا، فقد خصص وقتاً طويلاً لدراسة هذا الوجه وربط السعادة بالمنطق. وهكذا، بدا قريباً من الفلاسفة القدماء خصوصاً بإصراره أننا نستطيع بلوغ السعادة بالعمل وفق قيمنا.سعي معيب:في المقابل، يبدو فلاسفة آخرون أقل تفاؤلاً ويعتبرون البحث عن السعادة سعياً معيباً إلى حد ما، نظراً إلى واقع العالم الذي نعيش فيه. ينتقد كانط، خصوصاً، هذا المفهوم. فيشير إلى عجزنا حتى عن تحديد مفهوم السعادة، بحد ذاته. فيذكر: {لا نستطيع تحديد هذا المفهوم. فرغم رغبة الإنسان في بلوغ السعادة، يعجز دوماً عن تفصيل بدقة ووضوح ما يريده حقاً أو يرغب فيه... فلا تتوافر، في هذا المجال، أطر واضحة تحدد بدقة ما يجعل الإنسان سعيداً، لأن السعادة فكرة مثالية لا دخل لها بالمنطقة، بل بالمخيلة}. ويقترب هو بدوره من الفلاسفة القدماء بإصراره على فكرة أن تبني الإنسان موقفاً يتلاءم مع واجباته وقيمه قد يتيح له الشعور بنوع من السعادة، التي لا يمكن بلوغها فعلاً إلا بعد الموت.ما لا نشهده اليوم:أثار مفهوم السعادة أيضاً اهتمام علماء النفس والفلاسفة المعاصرين، الذين يشددون، بمعظمهم، على القيم بمفهومها العريض وعلى الأخلاق والحكمة... يبدو علماء النفس والفلاسفة، اليوم، أكثر تفاؤلاً من فرويد، الذي يعتبر مفهوم السعادة مستحيلاً، مع أن وجهات النظر التي يطرحونها متفاوتة. فيقول البعض إن السعادة قدرة شبه طبيعية يتمتع بها كل إنسان، لذلك عليه البحث عنها والسعي إلى تحقيقها. في المقابل، يظن آخرون أن الإنسان ما زال متمسكاً بمفهوم الجنة المفقودة، ما يدفعه إلى متابعة البحث عنها عبثاً.ميل طبيعي أم مكتسب؟لا تُعتبر السعادة حالة دائمة، بل تتألف، بالنسبة إلى معظمنا، من لحظات نتذوقها فيها أو يحالفنا الحظ فيها. وعندما تصبح هذه اللحظات كثيرة ومتكررة، نعتبر عندئذٍ أننا حققنا، أخيراً، السعادة. ويعمد بعض الكتاب والفلاسفة إلى تحديد أسس السعادة الأولية:تشمل أسس السعادة الرئيسة سد حاجات الإنسان الأولية، مثل الطعام. فمن الممكن للإحساس بالجوع أن يتحكّم بالروح إلى درجة يلغي معها المشاعر والأحاسيس الأخرى.بعد تخطي هذه المرحلة، يبقى أمام الإنسان طريق طويل ليمشيه قبل بلوغ السعادة. فنرى أمثلة عدة عن أشخاص ينعمون بغنى مادي، إلا أنهم يعيشون حياة بائسة. فلكي يشعر الإنسان بالاكتفاء في حياته، تُعتبر مشاعر المحبة التي نكنها للآخرين ويعرب عنها آخرون تجاهنا عاملاً بالغ الأهمية. إذاً لا تقتصر السعادة على طبقة اجتماعية محددة.يعتقد البعض أن التقدم الفكري وتحقيق الإنجازات يشكلان جزءاً لا يتجزأ من السعادة. فيعزز التعلم والتقدّم تقدير الذات ويساهان في منح الإنسان شعوراً بالاكتفاء الذاتي الإيجابي.طرق ضرورية لتحقيق السعادةكشف بعض الدراسات طرقاً تساهم في تعزيز السعادة، منها:- قدرة على التكيّف واعتبار التغييرات فرصاً لا عوامل خطر.- تعلّم عيش اللحظة من دون خسارة القدرة على التخطيط للمستقبل.- معرفة قيمنا الخاصة والتعامل مع الآخرين بتسامح.- القدرة على العمل، ما يعزز الثقة بالنفس ومعرفة الذات.- عدم الاستسلام للظروف وتعلّم النهوض مجدداً.نتيجة لذلك، تعتمد وصفة السعادة الناجحة على التفكير السليم، وهي بالتأكيد نسبية. فعلينا بلوغ هذه السعادة، متكيّفين، في الوقت عينه، مع ما ترميه الحياة في طريقنا.
توابل
السعادة حالة نسبية؟
21-05-2014
تشكّل السعادة مع ما تحمل من رضا واكتفاء كاملين الهدف الأسمى الذي يسعى إليه كل إنسان. فتتمحور حياتنا بأكملها حول بلوغ السعادة. ولكن ألا يُعتبر الشعور بالسعادة حالة نسبية تختلف باختلاف الطامح إليها؟ فما يشعر البعض بسعادة كبيرة يكون أحياناً سبب شقاء البعض الآخر وتعاستهم.