في أحد أيام الإثنين من يناير 2003، تلقت كاثرين غان رسالة إلكترونية أشعرتها بالقلق. غان عالمة لغوية ومحللة عملت مع جهاز الاستخبارات البريطاني وعمرها 28 سنة، وقد كانت امرأة هادئة وعميقة التفكير. تلك الرسالة التي اعتُبرت {بالغة السرية} وجاءت من رئيس قسم في جهاز الاستخبارات الأميركية أبلغت نظراءه البريطانيين، {كما تعلمون جميعاً الآن}، عن التخطيط لعملية تنصت مشتركة ضد وفود الأمم المتحدة. لم تستطع غان أن تصدّق عينيها.

في تلك الفترة، كانت الأمم المتحدة تخوض جدلاً حول غزو محتمل للعراق. وكان الظهور المصيري لوزير الخارجية الأميركية كولن باول أمام مجلس الأمن سيتمّ خلال خمسة أيام، علماً أنّ باول كان سيحاول حينها كسب موافقة حلفائه لشن اعتداء على بغداد. كانت غان، مثل بريطانيين كثيرين، تعارض الحرب ففكرت بما يجب أن تفعله بشأن تلك الرسالة الإلكترونية. من خلال استهداف الدبلوماسيين في الأمم المتحدة عن طريق التجسس، ألم تكن الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى تحاولان شن حرب بالقوة؟ هل كانتا تحاولان تحديد موقف الدبلوماسيين بشأن صراع معين؟ هل كان ذلك النهج قانونياً؟

Ad

بعد تردد دام يومين، أعادت غان إرسال الرسالة الإلكترونية إلى أحد معارفها وكان ذلك الشخص على اتصال بوسائل الإعلام. بعد أربعة أسابيع، طُبعت الرسالة الإلكترونية على غلاف صحيفةThe Observer.

ربما لم تتمكن غان من منع الحرب، لكنها نجحت خلال الفضيحة اللاحقة في تسليط الضوء على إحدى أكثر الوكالات سرية في المملكة المتحدة، ولو لفترة قصيرة: إنه «مقر الاتصالات الحكومية البريطانية».

وكالة سرية متوسّعة

جواسيس {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» يعتبرون أنفسهم عيون وآذان البلد وهم لا يحبون أن يكونوا محور الانتباه. لم يعلم العالم بشأن عدد من عملياتهم إلا بفضل تحركات المخبر الأميركي إدوارد سنودن. الوثائق التي سرّبها الأخير، من داخل وكالة الأمن القومي الأميركية، كشفت أن الوكالة البريطانية كثّفت مراقبة أجزاء كبرى من حركة البيانات العالمية في السنوات الأخيرة، وذلك من خلال اختراق شبكات الحواسيب حول العالم وإطلاق الاعتداءات واستخلاص المعلومات من الهواتف الخلوية.

في عام 2008، بدأ عملاء {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» باختبار برنامج «تمبورا» وكانوا يتمنون أن يسمح لهم ذلك البرنامج باختراق روابط البيانات العالمية، لا سيما كابلات الألياف البصرية. خلال السنوات الأربع اللاحقة، زادت قدرة الوكالة على اختراق البيانات بنسبة 7000% وفق عرض تقدّم عبر برنامج «بوربوينت» وذكرته صحيفة «ذي غارديان» البريطانية. تعتبر الوكالة أن «إتقان استعمال الإنترنت» أحد أهدافها، وتتباهى بقدرتها على استخلاص البيانات من شبكة الإنترنت بما يفوق قدرة وكالة الأمن القومي. توظف الوكالة اليوم 6100 رجل وامرأة، أي ما يقارب العدد الذي توظفه وكالات الاستخبارات المحلية والخارجية البريطانية مجتمعةً.

حين يرفض {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» الإجابة عن الأسئلة بشأن أهدافه، يرسم الموظفون السابقون صورة معينة عن الوكالة على اعتبار أنها أصبحت وحشاً استطلاعياً معاصراً بعد عقود على نشوئها.

جاسوس من العصر الورقي

يحتاج مايك غريندلي إلى بعض الوقت كي يصل إلى الباب. سيبلغ غريندلي 77 عاماً هذه السنة، وهو لم يعد متوازناً في تحركاته كما كان حين بدأ يعمل في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية». بدأ الليل يهبط في الخارج، وكانت تلك الليلة واحدة من الأمسيات الإنكليزية الباردة. كان منزله مكتظاً منذ فترة الظهر في شلتنهام، مدينة صغيرة على طرف كوتسوولدز ويتطلب الوصول إليها ساعتين بالسيارة من شمال غرب لندن. يقع «مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» على بُعد عشر دقائق بالسيارة من منزل غريندلي. يعيش عدد من زملائه السابقين في هذه المنطقة. موقع «مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» في ضواحي البلدة هو أشبه بمغناطيس عملاق. لا يسهل على الموظفين السابقين أن يهربوا من جاذبيته.

منزل غريندلي مليء بأكوام طويلة من الكتب والمجلات والمنشورات والملاحظات والرسائل وقصاصات الصحف. هو لا يكتب الرسائل الإلكترونية ولا يملك هاتفاً خلوياً ولا يمكن التواصل معه إلا عبر الاتصال بخطه الأرضي. من الواضح أن مايك غريندلي جاسوس من العصر الورقي.

انضم إلى الوكالة في أغسطس 1961 بعدما عمل في القوات الجوية الملكية في هونغ كونغ، ثم درس الصينية الكلاسيكية في كامبريدج. استعان به مسؤول في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» أثناء تواجده في حرم الجامعة وكان عمره 24 عاماً. أصابته الدهشة حين دخل إلى مبنى المقر في شلتنهام للمرة الأولى، لكن سرعان ما شعر بالراحة في تلك البيئة الهادئة والمرحة التي توفرها الوكالة. يقول غريندلي: «كنا ننادي بعضنا بأسمائنا المسيحية».

شهد غريندلي على نمو الوكالة المتسارع حين راحت توسّع نطاق مراقبتها لطرق الاتصال الدولي خلال الحرب الباردة، وأصبحت هوائيات {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» الوسيلة التي تستعملها المملكة للتنصت على العالم. في عام 1967، تبين أن الوكالة تعيق الرسائل عبر التلكس والبرقيات التي تخرج من بريطانيا إلى أوروبا وبلدان أخرى. في هذا السياق، كتب المؤرخ والباحث الاستخباري ريتشارد ألدريتش أن تلك الرسائل وصلت في نهاية المطاف إلى يد «مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» بمساعدة شركتي «ويسترن يونيون» و»كابل أند وايرلس» وشركات أخرى للخدمات الهاتفية. إنه نموذج أولي على التعاون بين شركات الاتصالات والحكومة.

كسب غريندلي راتباً أولياً بقيمة 768 جنيه استرليني (935 يورو أو 1280 دولاراً). كان بارعاً في عمله الذي يقضي بتوفير معلومات عن الأهداف الاستطلاعية في الصين، ثم بدأ يترقى إلى أعلى المناصب. حين غادر الوكالة في عام 1988، كان راتبه السنوي قد بلغ 19 ألف جنيه استرليني. يقول: {جميع المشاكل المعقدة كانت تصل إلى مكتبي}. كان زملاؤه في العمل يسمونه {مستر تشاينا}.

{تورينغ كان معبودنا}

في أولى سنوات غريندلي، كانت الوكالة سرية لدرجة أن أحداً لم يكن يستطيع التحدث عن أكبر إنجازاته. خلال الحرب العالمية الثانية، قام الموظفون في {كلية الترميز والتشفير الحكومي} في عقار {بلتشلي بارك} (وهي المنظمة التي مهدت لنشوء {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية}) بإعاقة رسائل إذاعية من الجيش الألماني في عهد هتلر.

استعملت قوات هتلر آلية الترميز {إنيغما} لتشفير رسائلها، لكن نجح العملاء البريطانيون في {بلتشلي بارك} في فك الشيفرة عبر استعمال آلة الحوسبة الكهرومغناطيسية، وهو شكل قديم من الحواسيب. العقل المدبر وراء هذا الإنجاز كان آلان تورينغ، عالم كمبيوتر لامع عمل مع زملائه بكل حماسة في الثكنات لهزم النازيين. يقول غريندلي: {تورينغ كان معبودنا}. علّم تورينغ الوكالة أن أي شيفرة يمكن فكها استناداً إلى الاستخبارات والتكنولوجيا اللازمة.

سافر غريندلي لحضور مؤتمرات سرية في الولايات المتحدة وكندا حيث قام مع نظرائه في وكالة الأمن القومي وجهاز الاستخبارات الكندية بمناقشة آخر التطورات. كان العالم منقسماً بين معسكرات مختلفة (أصبحت الشيوعية ضد الرأسمالية، وكانت الصين تُعتبر عدوّة)، وبدا عمله منطقياً ومنظماً. لكن سرعان ما أصبحت مارغريت تاتشر رئيسة الحكومة.

كان غريندلي، مثل والده، عضواً في حزب العمال وقد انضم إلى نقابة العمال في عمر مبكر. صحيح أنه لم يشعر بحماسة شديدة تجاه الإضرابات، لكنه شعر بأن النقابة تقدّم المنافع عبر التفاوض مع أرباب العمل. لكن منعت تاتشر الموظفين في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} من تشكيل نقابة. نتيجةً لذلك، ثار الموظفون في المقر علناً ضد حكومتهم خلال فصل غريب جداً من تاريخ الاستخبارات البريطانية.

انزعجت تاتشر والمحافظون والمسؤولون الاستخباريون الذين أرادوا إبقاء جهاز الاستخبارات سرياً لأن الموظفين أطلقوا مسيرة في أنحاء شلتنهام وهم يحملون الرايات واللافتات على وقع هتاف سكان البلدة. كان غريندلي مصمّماً على عدم الرضوخ للمرأة الحديدية وقد كان في طليعة المشاركين في المسيرة.

ينقلب على نفسه

بعد رفض مغادرة النقابة، عُلّق عمل غريندلي في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} في عام 1984 وأُقيل بعد أربع سنوات. رافقه أعضاء بارزون من الوكالة، وذلك احتجاجاً على تاتشر أيضاً. يقول غريندلي: {خسرت المنظمة عدداً من أعظم العقول في تلك الفترة}. كانوا يشملون علماء رياضيات وتقنيين وخبراء في اللغة وفك الشيفرات.

في المرحلة التي شهدت مغادرة غريندلي لمقر الاتصالات الحكومية البريطانية، أصبحت الخطوط الفاصلة بين الأعداء والأصدقاء مبهمة. كيّفت المنظمة نفسها مع حاجات الأميركيين بعدما عقدت معهم الحكومة البريطانية اتفاقاً استخبارياً، علماً أنها كانت تعمل بصمت خلال الحرب الباردة. لم يعد {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} المعقل اللامع والبريء للعباقرة وخبراء فك الشيفرات الذين حاربوا النازيين: فقد بات الآن يتنصت على الهواتف الفضائية، كذلك وسّع تركيبته الهوائية وحوّل أنظاره نحو الداخل. يقول غريندلي إنهم تجسسوا عليه وعاداه أعضاء من وكالته خلال الاحتجاجات.

مشهد جديد

رغم الحملة الصحفية السلبية، لا يزال معظم البريطانيين يثقون بوكالات الاستخبارات الثلاث: الجواسيس في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية}، والعملاء الأجانب في وكالة الاستخبارات الخارجية، والعملاء البريطانيين في وكالة الاستخبارات البريطانية. استفاد هؤلاء من مساعدة عميلَين خياليين هما جيمس بوند وجورج سمايلي، وهما يتابعان إطلاق الحملات الدعائية لتلك المنظمات حتى اليوم.

بعد سقوط جدار برلين، تغير محور تركيز الوكالة. في أواخر الثمانينيات، كانت محطات التنصت التابعة لمقر الاتصالات الحكومية البريطانية تنشط في ألمانيا، وتم توجيه أجزاء أخرى من أوروبا انطلاقاً من الاتحاد السوفياتي وبولندا وتشيكوسلوفاكيا في المقام الأول. في شلتنهام، احتفظ المحللون بقواعد بيانات عن التحالفات التكتيكية للقوات المسلحة السوفياتية ومخازن الأسلحة وتردد الرادار. كانت التقارير تُوجَّه بشكل أساسي إلى وزارة الدفاع البريطانية.

لكن عندما انتهت الحرب الباردة، تحول التركيز من أوروبا الشرقية إلى أهداف متنوعة تشمل أمراء الحرب في الصومال وتجار الأسلحة في البلقان وعصابات المخدرات في أميركا اللاتينية. في الوقت نفسه، كان استعمال الهاتف الخلوي بدأ يكسب الرواج تزامناً مع نمو قطاع الإنترنت، فنشأت معلومات إلكترونية وافرة. كان يجب أن يعيد {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} ابتكار نفسه.

المقر يجدد نفسه

الشخص الذي اختاروه لقيادة هذه الجهود كان ديفيد أوماند، وهو رجل محترف وجدّي وعضو في نخبة لندن النافذة، وكان الجواسيس في شلتنهام يتعاملون معه بخليط من الازدراء والخوف. انضم أوماند إلى {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} ليعمل كمحلل في عام 1969. شملت واجباته التجسس على الدفاعات الجوية للاتحاد السوفياتي، لكنه انتقل بعد فترة قصيرة إلى منصب أعلى في وزارة الدفاع، ثم عمل لاحقاً في حلف الأطلسي في بروكسل.

حين تولى أوماند منصب مدير {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} في عام 1996، وجد نفسه أمام وكالة تعود إلى القرن العشرين وتوشك على الانهيار. كان الخبراء وعلماء اللغة والمحللون واختصاصيو فك الشيفرات والمبرمجون يعملون ضمن متاهة من المباني التي تحمل أسماء مثل المبنى {ج} والمبنى {م}، ما يذكّرنا بالثكنات الشائعة في حقبة آلان تورينغ. أقام التقنيون والمديرون في الطرف الآخر من المدينة. شعر {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} بأن الوكالة تشبه ما كانت عليه في حقبة الحرب الباردة، واعتبر أوماند بأن أفضل مقاربة تقضي بإزالة كل شيء قديم.

راح يصف خطته أثناء وجوده في ردهة فندق في وسط لندن، وكان يتوقف عن الكلام لأخذ رشفة من كوب شاي {إيرل غراي}. يبلغ أوماند 66 عاماً، لكن لا يزال طريقه طويلاً قبل التقاعد. درس حديثاً الرياضيات والفيزياء النظرية، ويعلّم في الكلية الملكية {كينغز كوليدج} ويلقي المحاضرات ويؤلف الكتب عن أهمية الأجهزة الاستخبارية. يقول إن المراقبة ضرورية وهو يشبه الوكالة التي كان يرأسها: فهو رجل شهم ومهذب ويضع ساعة رقمية في يده لكن يسهل الاستخفاف به.

اختراق الإنترنت

يعتبر أوماند أن وكالته تعرضت لضغوط متزايدة خلال التسعينات. أرادت وزارة الخارجية استعمال مهاراته التحليلية، وينطبق الأمر نفسه على الشرطة والجيش ورئيس الوزراء: {كانت حاجات هؤلاء العملاء كلهم مختلفة وقصيرة الأمد}. لم يعد يكفي الاحتفاظ بأسماء القادة الروس ضمن قاعدة البيانات. كان يجب أن يتمكن الجواسيس من إعاقة الإشارات التي تتسابق عبر كابلات الألياف البصرية في قاع المحيط. وكان لا بد من فهم مسار القرن الواحد والعشرين: {كان يجب أن نُحدث ثورة في هندسة استخبارات الإشارات}.

هل صدر قرار مقصود باختراق الإنترنت في تلك الفترة؟ يوضح أوماند: {كان الأمر أقرب إلى التطور}. كان البريطانيون يستطيعون التنصت على تدفق البيانات قبل ظهور الإنترنت منذ الستينات، وقد استعملت الوكالة هوائيات قطعية في كورنوال لإعاقة الاتصالات الفضائية في أنحاء المحيط الأطلسي والهندي. في عام 2001، استنتج تحقيق للبرلمان الأوروبي أن الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى، إلى جانب كندا وأستراليا ونيوزيلندا، ابتكرتا نظام تجسس عالمي {لإعاقة الاتصالات الخاصة والتجارية}. كان {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} يخترق أجزاء متزايدة من الأصوات واتصالات البيانات، لكن لم يلحظ كثيرون ما يحصل. حتى الخبراء في البرلمان الأوروبي لم يكتشفوا النطاق الكامل لنشاطات {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية}.

بدأت الوكالة تنفذ خطط أوماند في أواخر التسعينيات. أوماند نفسه تولى منصباً في وزارة الداخلية في عام 1998، لكن استمرت ثورته. هكذا أصبحت الخطط المعدّة للمقر الجديد قيد التنفيذ. بدل تخصيص مبانٍ منفصلة لمختلف الأقسام، كان جميع الموظفين ليعملوا في مقر رئيس دائري الشكل. اليوم، يحمل المبنى لقب {دونات} (كعكة محلاة).

منافسة بريطانية أميركية

الجواسيس البريطانيون مهووسون بأن يتفوقوا بذكائهم على نظرائهم في وكالة الأمن القومي الأميركية. حتى هذا اليوم، يتباهون بأنهم تفوقوا على الأميركيين في بداية السبعينيات في مجال تطوير الوسيلة الأساسية العامة لفك التشفير عبر مفاتيح غير متماثلة. لكنهم يتكلون في الوقت نفسه على شركائهم على الطرف الآخر من الأطلسي. في كتاب «ملفات سنودن» (The Snowden Files)، كتب الصحافي لوك هاردينغ من صحيفة «ذي غارديان» أن الولايات المتحدة دفعت للبريطانيين 34.7 مليون جنيه استرليني مقابل خدماتهم خلال السنة المالية 2011/2012 وحدها. يقضي جزء من مهمة «مقر الاتصالات الحكومية البريطانية» بتملق الأميركيين: في النهاية، تدفع الولايات المتحدة المال مقابل ذلك!

وفق أوماند، شعرت الوكالة في البداية بالارتباك بسبب وفرة الهواتف الخلوية وكابلات الألياف البصرية والإنترنت. لم يستطع التقنيون والمحللون التكيف مع كميات البيانات الهائلة. يقول أوماند: {الكميات التي تعاملوا معها كانت ضخمة وكان لا بد من حذف المواد غير المرغوب فيها}. لقد احتاجوا إلى سنوات كي يتعلموا كيفية غربلة هذا الفيض من المعلومات.

أوماند هو العضو الوحيد الذي كان يعمل سابقاً في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} ويحرص الآن على الدفاع عن أرباب عمله السابقين خلال النقاشات والبرامج الحوارية. يقول أوماند إنه لا ينسّق إطلالاته مع أحد، {لكنهم على الأرجح يوافقون في سرهم على ظهوره}.

ثمة قانون غير خطي في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية}: عدم التحدث عن العمل، لا سيما مع الغرباء. يقول غريندلي: {الجميع يعرفون بعضهم البعض. الموظفون في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية أوفياء ووطنيون جداً}.

في دور المُخبر

في تاريخ وكالة الاستطلاع، يقلّ عدد الموظفين الذين خانوا الثقة وعبّروا عن انتقاداتهم أو هواجسهم علناً. كاثرين غان، المرأة التي حاولت منع حرب العراق، هي واحدة من تلك الاستثناءات.

خلال السنة والنصف الماضية، كانت غان تقيم في مدينة صغيرة على الساحل المتوسطي التركي مع زوجها الكردي يسار وابنتهما هانا التي تبلغ 5 سنوات.

انتهى بها الأمر في {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} بعدما قرأت إعلاناً يبحث عن خبراء باللغة الصينية كانت قد وضعته الوكالة في صحيفة {ذي غارديان} في عام 2000. في يناير 2001، بعد عملية انتقاء دامت سنة كاملة، تم استدعاؤها للعمل في القسم {أ25} المسؤول عن التجسس على المصادر الخارجية. كان عملها يقضي بالإصغاء إلى محادثات الدبلوماسيين الصينيين في بريطانيا وتقييم ما إذا كان المحتوى مهماً للوكالة. هذا العمل يشبه ما كان يقوم به المحللون في أولى أيام {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية}. تقول غان: {ينتهي بنا الأمر بمعرفة الكثير عن حياة الناس الخاصة}.

كانت غان ابنة أستاذ يعلّم الإنكليزية في تايوان حيث تعلّمت لغة الماندرين. في عمر السادسة عشرة، انتقلت إلى إنكلترا حيث درست اليابانية والصينية. لقد شعرت بالراحة في شلتنهام وكانت تحب زملاءها في العمل. في وقت الغداء، كانوا يتحدثون عن الطقس أو العلاقات العاطفية. في الوقت نفسه، شعرت غان بأنها انضمت إلى جماعة تعتبر نفسها مميزة وتلتزم الصمت بشأن نشاطاتها: {العاملون في مقر الاتصالات الحكومية البريطانية ينتمون إلى فصيلة مختلفة}.

عملت غان في وكالة الاستخبارات طوال سنتين وأربعة أسابيع إلى أن وجدت الرسالة الإلكترونية الفاضحة بشأن الأمم المتحدة في بريدها. كانت الرسالة موجّهة إلى حوالى مئة متلقٍ في شلتنهام وقد أرسلها فرانك كوزا الذي كان حينها رئيس قسم {الأهداف الإقليمية} في وكالة الأمن القومي.

{آه منك يا كاثرين}

عندما سرّبت غان الرسالة الإلكترونية وفضحت كوزا، كان رد فعل الوكالة البريطانية متحفظاً على نحو غريب. قررت غان أن تسلّم نفسها. وحين أخبرت رب عملها، اكتفى بالتنهد وقال: {آه منك يا كاثرين!}. ثم أمضت ليلة في السجن وجرت حملة تفتيش لشقتها. سرعان ما أُسقطت التهم بسبب {غياب الأدلة}. ثم ساد الهدوء مجدداً. أعطى أسلوب الصمت مفعولاً مثالياً.

أصبحت غان في هذه المرحلة منبوذة من زملائها السابقين. فغرقت في حالة اكتئاب لكنها تابعت الإقامة في شلتنهام طوال سنوات إضافية. حين تقابل معارف لها من الوكالة، تكون اللقاءات مزعجة للطرفين. لا أحد يذكر الرسالة الإلكترونية التي سرّبتها. هي تقول: {يكون الوضع مريباً، وكأن شيئاً لم يحصل}.

استمر العمل الجدي في الوكالة. تبدد الجدل بشأن ما فعلته غان وأصبح المقر الجديد، بمبانيه الضخمة وخوادمه وحواسيبه العالية الأداء، جاهزاً في عام 2003.

رغم كل شيء، بقي {مقر الاتصالات الحكومية البريطانية} جهازاً أساسياً للاستخبارات البريطانية. ثمة نادي للشطرنج ومجموعة فرسان لـ}مطاردة الأشباح} وموقع لعقد أمسيات للحزازير في ملهى محلي. حتى هذا اليوم، يفضل الجواسيس في شلتنهام أن يُبقوا المعلومات لأنفسهم، ما يفسر انزعاجهم المستمر من تسريبات سنودن. على عكس وكالة الأمن القومي التي بدأت حديثاً تدعو الصحفيين إلى مقرها، يبدو أن الجواسيس البريطانيين يحبسون أنفاسهم ويصلّون كي تنتهي هذه المرحلة سريعاً.

لا يمكن مشاهدة أمور مثيرة للاهتمام عند التجول في موقع {مقر الاتصالات الحكومية} في ضواحي شلتنهام: المبنى له سقف معقوف وتحيط به أشجار الحور وأسوار من الأسلاك الشائكة ولافتات تمنع التصوير. هناك يجلس رجلان يرتديان بذلات داكنة على مقعد أمام المدخل ويحدقان بالأرض من دون التفوه بكلمة.