بواسطة كابلات مصنوعة من ألياف بصرية بدل البرقيات، كانت تلك المحادثة بين الرجلين لتستعمل اليوم أقل عدد من التعابير. في الحد الأدنى، كان يمكن أن يرسل الناشر «!!!!» إلى الكاتب الذي ينتظر الجواب بفارغ الصبر.

توفر لنا شبكة الإنترنت مساحة شبه لامتناهية وحقيقة بنيوية تظهر في مقارباتنا لعلامات الترقيم. نسأل على فايسبوك {ماذا ؟؟؟؟؟؟} للتعبير عن دهشتنا. ونكتب في رسائلنا الإلكترونية {حسناً........} للتعبير عن حيرتنا. ونكتب في المدونة عدداً فائضاً من علامات التعجب (!!) لتوثيق انطباع معين، وقد تذكر قائمة الطعام عبارة مثل {طبق ضلوع يوم السبت!!!!} (تبدو علامات التعجب الأربع مبالغاً فيها لكنها تناسب الحدث على الأرجح).

Ad

فيض وتضخم

يمكن أن نصف هذا الوضع بطرق مختلفة (فيض من علامات التعجب، تضخم علامات الترقيم، نتيجة لتوسع الإنترنت بشكل لامحدود)، لكنّ هذه الظاهرة منتشرة في كل مكان.  أصبحنا عالماً مهووساً بعلامات الترقيم.

في دراسة نُشرت في {مجلة الاتصالات الحاسوبية} (2006)، ذكرت كارول واسيليسكي أن علامات التعجب {نادراً ما تفيد للتعبير عن الحماسة}. بل قد تشير إلى {نوع من التفاعل الودي}. إذا كانت علامة واحدة ترمز إلى شعور أساسي من الدفء الإنساني، فلا بد من استعمال علامات إضافية لنقل مشاعر الحماسة (!!)، وعلامات أكثر للتعبير عن الإثارة (!!!)، وعدد أكبر بعد للتعبير عن السعادة المفرطة. ينطبق الأمر نفسه على علامات الاستفهام وحتى علامات الحذف: لا بد من استعمال علامات إضافية لتعزيز التنوع العاطفي في الكلمات المكتوبة بالأسود والأبيض.

لكن! تبرز مؤشرات على أن هذا العصر سيكون قصير الأمد، بمعنى أن علامات الترقيم ستتجه مجدداً نحو استعمال علامات منفردة أو التوقف عن استخدام أي علامات. ربما بلغ عصر الترقيم ذروته.

لا تميل اللغة طبيعياً نحو الإيجاز فحسب، كما يقول بعض العلماء، ولا تُستعمَل علامات الترقيم السخيفة الآن للتعبير عن السخرية، فحسب، كما يقول كيث هيوستن، مؤلف كتاب {علامات غامضة: الحياة السرية للترقيم والرموز وعلامات مطبعية أخرى}. إذا كانت علامات الترقيم تهدف إلى تنويع معنى النصوص، فلن نحتاج بعد الآن إلى الاتكال على العلامات التقليدية وحدها. نحن نستثمر الآن في خيار الكتابة بأحرف كبيرة، ما يعكس نوعاً من قوة علامات الترقيم. أصبح استعمال الرموز التعبيرية أكثر دقة. كما أننا نضيف لواحق إلى عباراتنا مع متحركات تعكس ردود أفعالنا.

وفق ديبورا تانين، أستاذة اللغويات في جامعة جورج تاون، تتعلق أبرز التغيرات التي نشاهدها الآن بالتحول من التواصل المعجمي المحض إلى تواصل مبني على الصور. أوضحت تانين: «بحسب رأيي، تطور الشباب وباتوا يستعملون صوراً أكثر مقابل كلمات أقل». إنه نبأ سار في مجال التعبير البشري، لكنه ليس ساراً بالقدر نفسه بالنسبة إلى علامة التعجب التي ستتراجع مكانتها قريباً. عذراً منك أيتها العلامة الصغيرة!