بعد حمد الله تعالى والثناء عليه كما ينبغي لجلاله وعظمته وكماله، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وصفوة أنبيائه، أتقدم بالاستجواب الماثل، انطلاقا من امانة القسم، وتحملا لمسؤوليتي كنائب مجلس الأمة، وكي تكون الصورة واضحة وجلية أمام زملائي الكرام ممثلي الأمة، الذين سيكون لهم الكلمة الفصل تجاه ما يتضمنه هذا الاستجواب من مخالفات صارخة للدستور والقانون.

يطيب لي الاستهلال بقول الراحل الكبير الدكتور عثمان عبدالملك الصالح ـ طيب الله ثراه ـ الذي قال: "إن مكامن الحرية هي: ضمائر حية، وقلوب زكية، وعقول ذكية، فإن خدمت روحها في مكامنها، فلا دساتير تنفع، ولا قوانين تردع، ولا محاكم تمنع من أن يحل محلها القهر والقسر والاستبداد والحجر، فينكمش الصدق وترتفع هامات الكذب، وتتوارى الشجاعة ويسود الجبن، وينزوي الوفاء، فتنشط الخيانة، وينكس العدل رأسه، ويعم الظلم، وتتعالى صيحات النفاق وتغني شياطينه على أنغام الطبقية والمحظوظية والمحسوبية".

Ad

أهمية الاستجواب

وأساسه الدستوري

في يوم الثلاثاء الموافق 23 يوليو 2013 أولانا الشعب الكويتي الكريم ثقته الغالية، وأثقل أعناقنا بمسؤولية تمثيل الأمة، فكان لزاما علينا النهوض بواجباتنا الدستورية والوطنية تجاه وطن عانى ازمات متتالية وشهد تقهقرا على الاصعدة كافة، جراء ضعف الإدارة وسوء الادارة والسياسة الخاطئة التي ينتهجها ويتحمل مسؤوليتها سمو رئيس مجلس الوزراء.

وبما ان المسؤولية الوزارية تعتبر ركيزة النظام البرلماني، فإنها تمثل أحد أركانه الجوهرية، والذي يترتب على تخلفها انتفاء الطبيعة البرلمانية ووجوب البحث عن تكييف اخر للنظام السائد.

المسؤولية السياسية

وباستقراء نصوص مواد الدستور نجد أن المسؤولية السياسية يتحملها سمو رئيس مجلس الوزراء وهي قائمة دون أدنى شك ولعله من المناسب الاشارة الى نصوص مواد الدستور، التي كفلت حق النائب بالمساءلة السياسية، حيث نصت المادة 6 منه على ان: "نظام الحكم في الكويت ديمقراطي السيادة فيه للامة مصدر السلطات جميعا وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور" وجاء في نص المادة "100" ان "لكل عضو من اعضاء مجلس الامة ان يوجه الى رئيس مجلس الوزراء والى الوزراء استجوابات عن الامور الداخلة في اختصاصاتهم".

وقد نصت المادة 102 من الدستور على ان لا يتولى رئيس مجلس الوزراء اي وزارة ولا يطرح في مجلس الامة موضوع الثقة به ومع ذلك اذا رأى مجلس الامة بالطريقة المنصوص عليها في المادة السابقة عدم امكان التعاون مع رئيس مجلس الوزراء رفع الامر الى رئيس الدولة".

وبما ان القاعدة الدستورية المستقرة في جميع الانظمة البرلمانية تؤكد انه: "اينما توجد السلطة توجد المسؤولية" فمعنى هذا انه متى افترقت المسؤولية عن السلطة وصارت بمنأى عن المساءلة والحساب، فسيقود هذا تلقائيا الى الدكتاتورية والاستبداد والانحراف.

المادة 98

وغنى عن البيان ان المادة "98" من الدستور، الزمت الحكومة بتقديم برنامجها ولم تلزم وزيرا بعينه وانما الحكومة بأكملها والذي يمثلها رئيس مجلس الوزراء، وبما ان برنامج عمل الحكومة هو الواجهة الرئيسية لسياسة الحكومة، فان مسؤولية رئيس مجلس الوزراء قائمة ومباشرة بلا أدنى شك.

وبناء على ما سبق اتقدم بهذا الاستجواب الى سمو رئيس مجلس الوزراء وهو مكون من محور واحد "برنامج عمل الحكومة".

اولاً: عدم تقديم برنامج

عمل الحكومة وفق ما هو

مبين في الدستور

نصت المادة 98 من الدستور على أن "تتقدم كل وزارة فور تشكيلها ببرنامجها الى مجلس الامة، وللمجلس ان يبدي ما يراه من ملاحظات بصدد هذا البرنامج".

وفي هذا تقول المذكرة التفسيرية انه قد "أوجبت هذه المادة على كل وزارة جديدة ان تتقدم فور تشكيلها ببرنامجها الى مجلس الأمة ولكنها لم تشترط لبقاء الوزارة في الحكم طرح موضوع الثقة بها على المجلس، بل اكتفت بابداء المجلس ملاحظاته بصدد هذا البرنامج، والمجلس طبعا يناقش البرنامج جملة وتفصيلا ثم يضع ملاحظاته مكتوبة، ويبلغها رسميا للحكومة، وهي – كمسؤولة في النهاية أمام المجلس – لابد وأن تحل هذه الملاحظات المكان اللائق بها وبالمجلس المذكور).

ولا شك ان امتناع الحكومة عن تقديم برنامج عملها طوال هذه الفترة ولمدة قاربت الثلاثة اشهر يعد مخالفة صارخة للدستور ولما ورد في مذكرته التفسيرية، خصوصا وان المشرع استخدم في المادة 98 لفظ "فور" للتدليل على الاستعجال من دون مماطلة او تسويف، كما ان المشرع اورد في المذكرة التفسيرية لفظ "أوجبت" للتأكيد على الوجوب، وللتدليل على الزام الحكومة بتقديم برنامج عملها فور تشكيلها.

وبما ان الحكومة قدمت برنامج عملها بعد مماطلة وتسويف وبخلاف ما هو مبين بالدستور، فليس من شأن ذلك اسباغ صفة الشرعية على تأخرها او اعتبار ان المخالفة غير قائمة ولا يمكن محاسبة رئيس الحكومة عنها، فمن يتمعن في نص المادة "98" سيجد ان صفة الوجوب تفرض على رئيس مجلس الوزراء وضع مرئياته وبرنامج عمل حكومته، ومن ثم يختار من الوزراء من هو قادر على تنفيذ البرنامج، وعلى هذا الاساس تتشكل الوزارة، وتقدم الحكومة برنامج عملها في اول جلسة لمجلس الامة، وفي هذا تجسيد للفظ "فور" الوارد في المادة المشار اليها اعلاه.

ثانياً: برنامج عمل مليء بالتناقضات والتوجهات السلبية على نحو مخالف للقوانين السارية

قدمت الحكومة برنامج عملها وقد احتوى على العديد من التناقضات والتوجهات السلبية التي تهدف الى اثقال كاهل المواطنين بزيادة رسوم الخدمات وفرض الضرائب وتخفيض الانفاق الاجتماعي وايقاف دعم السلع، حيث كشفت الحكومة صراحة عن سعيها الى "تعديل نظام الرسوم والاسعار على السلع والخدمات العامة" ومثل هذا التوجه لا يمكن القبول به بوجود فوائض مالية تزيد على 13 مليون دينار وفي ظل تردي عام في مستوى جميع الخدمات الحكومية، فضلا عن فشلها في حل المشكلة المرورية، وتسببها بتفاقم المشكلة الاسكانية، وتراخيها عن تحسين الخدمات الطبية، وتأخرها بانجاز معاملات المواطنين، وعجزها عن تدشين الحكومة الالكترونية وغرقها في البيروقراطية وعلى هذا لا يستقيم الحديث عن زيادة رسوم وفرض ضرائب، والخدمات الحكومية بمثل هذا السوء.

ولقد حدد برنامج عمل الحكومة مجموعة مستهدفات لاستدامة دولة الرفاه وهي في حقيقتها لا تستهدف تحقيق الرفاه في اي مجال، اذ ان طموح البرنامج الذي اختار 18 محورا مرتبطا بمؤشرات عالمية لم يتعد ترتيب 32 عالميا، فكان الهدف خجولا ومتواضعا على الرغم من ان المحاور موضوعة ليتم تحقيقها بعد مرور اربع سنوات او هكذا يفترض.

فعلى صعيد التعليم تتبوأ الكويت حاليا الترتيب 104 عالميا وبرنامج عمل الحكومة يستهدف الترتيب 80 خلال اربع سنوات، علما بان ترتيب الكويت في العام 2009 كان 81 عالميا ومعنى هذا ان اقصى طموحات برنامج عمل الحكومة هو بعودة الكويت الى الوراء الى العام 2009 لتتبوأ ترتيبها السابق.