عندما قام الكاتب الألماني يوهان غوتفريد سويمي بنزهته الشهيرة إلى سيراكيوز، واضعاً كتابه Stroll to Syracuse عن رحلته هذه سيراً على الأقدام التي استغرقت تسعة أشهر (1802)، حرص على زيارة مكتبات محلية عدة. في تلك الفترة، كان من المستحيل غالباً الاطلاع على الكتب من دون جهد. فإذا أردت قراءة كتاب ما، كان عليك التوجه إلى المكتبة لتحقق هدفك هذا.

أما اليوم، فبات الوضع مختلفاً تماماً. فإذا أراد طالب في فريبرغ قراءة نسخة ورقية من كتاب ما، من مكتبة جامعة بازل، يمكنه بكل بساطة طلبه من خلال برامج الإعارة بين المكتبات. ولكن إذا لم يكن هذا الكتاب متوافراً إلا بنسخة إلكترونية، لا تعود الإعارة بين المكتبات خياراً متاحاً. نتيجة لذلك، يُضطر هذا الطالب إلى ركوب القطار والتوجه إلى سويسرا لمطالعة كتاب على شاشة كمبيوتر في تلك الجامعة.

Ad

يا لها من مفارقة! فالكتب الورقية التي كانت تجوب العالم في برامج الإعارة بين المكتبات في القرن العشرين صارت اليوم تُحفظ محلياً في عصر الإنترنت. لكن سهولة تناقل المنشورات الإلكترونية حول العالم هي السبب في احتجازها وراء حواجز إلكترونية. ولم يعد الكتاب يُرسل إلى القارئ، بل صار على القارئ أن يحضر بنفسه لمطالعته، تماماً كما في القرن التاسع عشر.

ابتُكرت برامج الإعارة بين المكتبات في بروسيا عام 1893 مع {نظام الإقراض}. لكن هذه البرامج لم تعد قائمة في العالم الإلكتروني الجديد. تملي دور النشر اليوم على المكتبات شروطها التي ترتكز على خوف مبرر من النسخ المقرصنة. لكن الضحية تكون غالباً القارئ النزيه.

ترفض دور نشر كثيرة إصدار تراخيص لإعارة الكتب الإلكترونية: على سبيل المثال، لا تتوافر أعمال دور نشر ألمانية بارزة، مثل Droemer Knaur، Kiepenheuer and Witsch، S. Fischer، وRowohlt، في مكتبة Onleihe الألمانية للإعارة عبر شبكة الإنترنت. نتيجة لذلك، لا يمكنك الاطلاع إلكترونياً على أعمال مهمة، مثل دراسة الحرب العالمية الأولى البارزة التي أجراها العالِم السياسي هرفريد مونكلر في برلين، علماً أن هذا الوضع يُعتبر مستحيلاً في عالم المنشورات المطبوعة على الورق.

{تفاهات مضحكة}

لا تتوافر كتب إلكترونية كثيرة إلا في منصات مقفلة، مثل iBooks التابعة لشركة آبل وKindle التابعة لشركة Amazon. بالإضافة إلى ذلك، تجعل برامج الحماية الإلكترونية التي يعتمدها ناشرون عدة ولوج هذه المنتجات أكثر صعوبة. وتعمل راهناً Adobe، التي يشكّل نظامها أساس غالبية الكتب الإلكترونية، على مراجعة برامجها الإلكترونية. نتيجة لذلك، قد تصبح برامج القراءة القديمة عاجزة عن عرض كتب إلكترونية جديدة.

لا ترتبط هذه المسألة بأحدث رواية بوليسية حققت أعلى المبيعات فحسب، بل تشكّل جوهر اقتصاد المعرفة: مقالات الباحثين وتقاريرهم وكتبهم. يذكر هارالد مولر، كبير موظفي المكتبة في معهد ماكس بلانك للقانون العام المقارَن والقانون الدولي في هيدلبرغ: {نملك آلاف الكتب الإلكترونية التي يمكننا السماح للمستخدمين بالاطلاع عليها عبر الإنترنت. ولكن لا يُسمح لنا بذلك غالباً لأن تراخيص الاستعمال تكون محدودة جداً عادةً}.

تؤدي قوانين حقوق الملكية الفكرية، أحياناً، إلى {تفاهات مضحكة}، وفق مولر. على سبيل المثال، إذا أراد الاطلاع على تقرير من مكتبة أميركية عبر برامج الإعارة بين المكتبات، {تطبع تلك المكتبة التقرير وتُرسله بالفاكس، لنعمل بعد ذلك على مسحه وإدخاله إلى كمبيوتراتنا هنا}. فمن الممنوع إرسال التقرير كملف ملحق برسالة إلكترونية.

يحق لدور النشر، بالتأكيد، أن تحاول الدفاع عن نفسها ضد انتهاكات حقوق الملكية الفكرية. لكن الإستراتيجيات التي تتبعها حتى اليوم لا تعرقل سوى القراء الحسني النوايا. على سبيل المثال، لا يُسمح عادةً لمستخدمي المكتبات {بطباعة كتب إلكترونية أو حفظها على ذاكرة وميضية}، حسبما يوضح أوليفر هنت، رئيس لجنة القانون في جمعية المكتبات الألمانية. ولكن ما الحل إذاً؟ هل يعمد القارئ إلى نسخ المقاطع التي يحتاج إليها كتابةً؟

يذكر جيرالد شلايفيس من نظام المكتبات في مدينة زالتسغيتر قرب هانوفر: {تتوافر تقنيات ملائمة لمكافحة القرصنة منذ زمن بعيد. فالدمغات الرقمية بعلامة مائية تسمح بإضفاء طابع شخصي على المستندات. على سبيل المثال، يُعرض اسمي بشكل بارز على كل صفحة ولا يمكن إزالته بسهولة، بخلاف ما يُدعى أساليب الحماية من النسخ}.

يعدّ شلايفيس راهناً رسالة دكتوراه ويسافر في أنحاء ألمانيا للقيام بأبحاث. نتيجة لذلك، يملك خمس بطاقات مكتبية مختلفة. يقول: {لم تعد  المكتبات تسمح بمسح المقتطفات أو إرسالها بالبريد الإلكتروني}.

حقوق الملكية

ثمة فيض من الأمثلة السخيفة. على سبيل المثال، حقق فرانكو موريتي، بروفسور متخصص في اللغة الإنكليزية في جامعة ستانفورد، شهرة واسعة بفضل دراسته Atlas of the European Novel (أطلس الرواية الأوروبية). لكن بحثه هذا ينتهي عند نقطة تتحول فيها قوانين حماية الملكية الفكرية، التي تحمي عمل المؤلف حتى سبعين سنة بعد موته، إلى عقبة كبيرة. يوضح موريتي أن من الخطر تناول مزيد من الأعمال الأدبية المعاصرة {لأن نطاق حقوق الملكية يبقيها محمية إلى درجة لا يمكننا الوصول إليها بأي وسيلة من الوسائل. وهذا مؤسف بالتأكيد}.

يذكر هنت: {بات مالكو حقوق الملكية الفكرية اليوم في موقع قوة مميز. لذلك من الملح إصلاح هذه القوانين وتبسيطها}.

في كثير من الحالات، يدفع القراء أنفسهم من خلال الضرائب للباحثين في الجامعات الذين يعدون دراسات يستحيل على القارئ في النهاية الاطلاع عليها. ومن المرجح أيضاً أن باحثين وكتّاباً كثراً يعجزون هم أنفسهم عن دفع كلفة الاشتراك في مجلة تنشر أعمالهم. فتصل كلفة الاشتراك السنوي أحياناً إلى 15 ألف يورو (20633 دولاراً). على سبيل المثال، تفوق كلفة الاشتراك في مجلة Journal of Comparative Neurology عشرين ألف يورو سنوياً، علماً أن الكتّاب الذين ينشرون أعمالهم في مجلات مماثلة لا يحصلون عادةً على فلس واحد. في المقابل، تنال دور النشر، مثل Reed Elsevier، هامش ربح قبل اقتطاع الضريبة يبلغ 25%.

يشير غونتر م. زيغلر، عالِم رياضيات متميز في جامعة برلين الحرة: {يجني ناشرو المجلات العلمية أموالاً طائلة لأنهم يحصلون على منتجاتهم، مجاناً، من دافعي الضرائب ومن ثم يعاودون بيعها بأسعار مرتفعة}.

قبل سنتين، كان زيغلر شريكاً في نشر مجلتين في عالم الرياضيات في Reed Elsevier. ثم انضم إلى حملة مقاطعة جذبت منذ ذلك الحين نحو 14 ألف مشارك. ويعمل زيغلر اليوم في مجلة أكاديمية متوافرة للجميع على شبكة الإنترنت وفق مبادئ المصدر المفتوح. تذكر دار نشر Reed Elsevier أن الخلاف يعود إلى سوء فهم أكثر منه إلى تضارب في المصالح.

عودة إلى المستقبل

نشهد راهناً بعض التسويات الأولية. ففي يناير الماضي، بدأت مؤسسات مثل مركز CERN للأبحاث النووية في جنيف دفع رسم شامل لدار نشر Reed Elsevier مقابل المجلات كافة التي تنشرها في مجال الفيزياء، شرط أن تصبح هذه المجلات مجانية.

صحيح أن التعديلات التي تُدخَل راهناً إلى قانون حماية الملكية الفكرية بسيطة، إلا أنها فاعلة. ومن الأمثلة على ذلك الأعمال القديمة التي لم يعد بالإمكان تحديد مالكها. فحتى وقت ليس ببعيد، كان يستحيل تحويل الصحف القديمة التي اصفرّ ورقها إلى نسخ رقمية، إلا بعد الاتصال بكل الكتّاب. وهكذا كانت أعمال كثيرة ذات قيمة ثقافية كبيرة تموت على مذبح الملكية الفكرية. ولكن بدءاً من هذه السنة، باتت قوانين جديدة تضع حدوداً واستثناءات للملكية الفكرية وتسهّل إجراء نسخ رقمية من أعمال قديمة لا كتّاب لها.

 بالإضافة إلى ذلك، يتيح هذا التغيير البسيط للباحثين نشر أعمالهم على شبكة الإنترنت، شرط أن يكون قد مرّ عام على نشرها في مجلة أكاديمية. لذلك، نتوقع أن تبدأ الأعمال الأولى التي تستفيد من هذا التعديل بالظهور في 2015.

حتى ذلك الحين، سيُضطر مَن يبحثون عن مقالات ومنشورات محددة إلى الاكتفاء بمخزون الكتب الإلكترونية المتوافرة المحدود. أو سيكون عليهم الجلوس لساعات أمام شاشات الكمبيوتر في المكتبات لمطالعتها وأخذ ملاحظات يدوياً، على غرار الرهبان في العصور القديمة أو الكاتب سويمي خلال رحلته إلى سيراكيوز قبل نحو مئتي سنة. يا لها من عودة إلى المستقبل!