فتح مجلس الوزراء الباب على مصراعيه للفساد الإداري والمالي الذي بات مستشرياً في البلاد، ينخر في جسد المجتمع ويشل قدرة الاقتصاد الوطني. فبحجة تقليص الدورة المستندية الطويلة التي يستغرقها تنفيذ المشروعات في الكويت، تبنّى المجلس في جلسته الاستثنائية الأخيرة إعفاءَ المؤسسة العامة للرعاية السكنية من الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة ومن أحكام قانون المناقصات العامة.جاء ذلك بعد يوم واحد فقط من نشر مؤشر مدركات الفساد الذي تُعده منظمة الشفافية الدولية، والذي كشف عن تفاقم حدة الفساد في الكويت، حيث تراجعت عن مركزها السابق، المتأخر أصلاً، ثلاث مراتب، كما حلّت في المرتبة الأخيرة بين دول مجلس التعاون الخليجي.
في البلدان المتحضرة، يشكل مثل هذا التراجع مصدر قلق حقيقي للحكومات، قلق يشكل دافعاً لها لاتخاذ مواقف حازمة تتصدى لظاهرة الفساد، بل وتستأصله من جذوره. أما في الكويت، التي تزكم فيها رائحة الفساد أنوف كل الشرفاء والمخلصين من أبناء الوطن، وتنتشر فيها الرشوة بكل أشكالها وصورها، فبدلاً من أن يحفِّز هذا الترتيب المُخجِل للبلاد على سلم الفساد، على المستويين الإقليمي والعالمي، الدولةَ إلى اتخاذ خطوات وقرارات قادرة على مكافحة الفساد والتصدي لرموزه، والحد من ظاهرة هدر المال العام، تتجاوز الحكومة كل منطق ورشد، وتتجاهل الأسباب الحقيقية التي أدت وتؤدي إلى تعطل المشاريع في الكويت، فتقرر إطلاق يد الفساد والفاسدين في مشروعات الرعاية السكنية.هل يمكن لعاقل أو سوي أن يصدق أن لجنة المناقصات وديوان المحاسبة هما المسؤولان عن تباطؤ وعرقلة تنفيذ مشروعات الرعاية السكنية، أو أنهما المسؤولان عن تعثر وتعطل مشروعات مستشفى جابر وجامعة الشدادية ومصفاة الزور وتوسعة المطار والمستشفيات الأربعة، وغيرها؟ لمصلحة مَن يُستهدَف الجانب الرقابي، وكأنه هو المسؤول عن تعطل المشروعات في الكويت؟ ولمصلحة مَن تحاول أطراف في الحكومة أن تقفز على كل الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا التعطل؟ أوَليس للجرعة السياسية العالية في القرارات ذات الطابع الفني دور في هذا التعطل؟ أوَليس لانعدام الوضوح في المواصفات الأولية التي تضعها الجهات الحكومية للمشروعات دور في التعطل؟ أوَليس للمماطلة والتسويف في إجراءات تسليم مواقع المشروعات دور في ذلك؟ أوَليس للبيروقراطية الحكومية ودورتها المستندية المتباطئة دور في التأخير؟ أوَليس لغياب الشفافية والمحاباة والمحسوبيات وعمليات التنفيع دور في التأخير؟ أوَليس لعدم الفصل الواضح بين سلطات واختصاصات الجهات التنفيذية دور أيضاً؟ أوَليس للأوامر التغييرية المفاجئة والمتكررة في المواصفات التي تصدر خلال عملية تنفيذ المشروع دور في التعطيل؟ هذا غيض من فيض من الأسباب التي تعطل وتعرقل تنفيذ المشروعات، بل والتنمية أيضاً في الكويت، وعلى مَن يريد علاجاً لهذه المشكلة أن يبحث في هذه الأسباب أولاً، ثم يتقدم بإصلاحات تشريعية وإدارية بدلاً من إلغاء الرقابة. هل بعد كل هذا يمكن لأحد أن يصدّق أن الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة، المشهود له بالمهنية والحرفية، أو أن إجراءات لجنة المناقصات المركزية هي المسؤولة عن تأخير تنفيذ المشروعات في الكويت؟إن إقصاء هاتين الجهتين الرقابيتين الأساسيتين ومنعهما من ممارسة دورهما الحيوي في مراقبة وكشف التجاوزات والمخالفات يعني أن هناك مَن يريد فتح الباب للمتنفذين والراشين والمرتشين وأصحاب الضمائر الميتة لممارسة المزيد من التدخلات والتجاوزات والتحايلات في عملية إرساء المناقصات وتنفيذها.إن إعفاء الحكومة لمشاريع الرعاية السكنية من الرقابة المسبقة يشكل تنصلاً من مسؤولياتها الدستورية وتخلياً عن واجباتها الوطنية في التصدي لقوى الفساد والرشوة في البلاد، وسابقةً خطيرةً تشرعن الفساد وأدواته، وهروباً إلى الأمام من حقيقة لا يمكن أن تنطلي على مَن يملك عقله. الجريدة
آخر الأخبار
افتتاحية : إلغاء الرقابة المسبقة تشجيع للفساد
08-12-2013