تحتاج الطيور حين تحلّق إلى {خارطة} (لتخبرها بأن موطنها يقع في الجنوب مثلاً) وإلى {بوصلة} (لإخبارها باتجاه الجنوب)، وتكون الشمس وحقل الأرض المغناطيسي نظمي التوجيه المفضلين لديها. تقدم دراسة جديدة أدلة على أن المعلومات التي يستعملها الحمام كخارطة لتوجيه مساره تكون متوافرة في الجو: تسمح له الروائح والرياح بتحديد وجهة موطنه الأصلي. نُشرت النتائج الآن في مجلة Biogeosciences التابعة للاتحاد الأوروبي للعلوم الجيولوجية.أثبتت التجارب خلال الأربعين سنة الماضية أن الحمام الزاجل يتوه حين تضطرب حاسة الشم لديه أو حين لا يرصد الرياح الطبيعية في موقع عشّه الأصلي. لكن لم يقتنع باحثون كثيرون بأن الروائح التي تحملها الرياح يمكن أن توفر خارطة لتنقّل الحمام. اليوم، أظهر هانز والراف من {معهد ماكس بلانك لعلم الطيور} في ألمانيا أن الجو يحتوي فعلاً على معلومات يحتاج إليها الحمام ليجد طريق العودة إلى دياره.
في أبحاث سابقة، جمع والراف عينات هواء في أكثر من 90 موقعاً ضمن مسافة قطرها 200 كلم حول عش سابق للحمام بالقرب من فورتسبورغ، في جنوب ألمانيا. كشفت العينات أن المعدلات بين «المركبّات العضوية المتقلبة» (مواد كيماوية يمكن أن تكون مصدراً للروائح) ترتفع أو تنخفض في الغلاف الجوي على طول اتجاهات معينة. يوضح والراف: «على سبيل المثال، ترتفع نسبة المركبات أ في المجموع (أ+ب) أو في المجموعة (أ+ب+ج+د) كلما تحركنا من الشمال إلى الجنوب».أهمية الرياحتُترجَم هذه التغيرات في معدلات المركّبات على شكل تبدّل في الروائح التي يتم رصدها. لكنّ الحمام الذي لم يغادر عشّه يوماً لا يعلم وجهة التغيرات الحاصلة، ما لم يتعرض للرياح في موقعه الأصلي.يُقال إن الطير في عشّه يربط بين روائح معينة واتجاهات الرياح. يوضح والراف: {إذا كانت نسبة المركب أ ترتفع مع الرياح الجنوبية، يدرك الحمام الذي يقيم في عش في فورتسبورغ هذا الارتفاع المرتبط بالرياح. وإذا تم إطلاقه في موقع على بُعد 100 كلم من جنوب العش، يشم الطير أن معدل المركّب أ أصبح أعلى من المتوسط الذي اعتاد عليه في عشّه فيطير شمالاً». يمكن مقارنة الأمر بأن يشم فرد موجود في ميونخ نسيم جبال الألب عند هبوب الريح من الجنوب. حين يتحرك ويقترب من الجبال، يمكن أن يرصد رائحة قوية من جبال الألب وأن يتذكر أن تلك الرائحة ترتبط في دياره برياح جنوبية: سيدرك الفرد في هذه الحالة ضرورة السفر شمالاً للعودة إلى دياره.لكن كان هذا التفسير عن الطريقة التي يستعمل فيها الحمام هذه الروائح التي تحملها الرياح لإيجاد عشّه الأصلي مجرد فرضية: احتاج والراف إلى إثبات أن الجو يحتوي فعلاً على أساس نظام الخرائط الذي يحتاج إليه الحمام للتنقل. في الدراسة الجديدة، يطور نموذجاً يثبت أن {الحمام الافتراضي} الذي لا يعرف إلا الرياح والروائح في موطنه الأصلي، يستطيع إيجاد طريق العودة إلى عشّه عبر استعمال بيانات حقيقية في الجو.يوضح والراف: {كان الحمام الافتراضي أشبه بأدوات لانتقاء تلك المركبّات المتقلبة التي كان توزيعها المكاني، إلى جانب التغيرات التي تتوقف على اتجاه الرياح، أكثر تناسباً للعودة إلى الديار}.يستعمل النموذج مقاربة متكررة لتقليد تطور الحيوان عبر إحداث تغيرات عشوائية عند الحمام الافتراضي، ما يجعله أكثر حساسية تجاه تلك المركّبات المتقلبة التي تكون أكثر فاعلية للتنقل جواً. من خلال اختيار أفضل التحولات في مسار آلاف الأجيال، يولّد النموذج حماماً افتراضياً يستطيع تحديد اتجاهه فضلاً عن حمام حقيقي. هذا ما يثبت أن الطيور، حتى تلك التي تفتقر إلى الخبرة، يمكن أن تستعمل المعلومات التي ترصدها في الجو للتنقل. تشكّل النتائج قطعة مفقودة في الأحجية المرتبطة بمسار عودة الحمام الزاجل وطريقة تحديد وجهته، ما يؤكد على أن الرياح والروائح يمكن أن تؤدي دور خارطة فعلاً: {كان العمل مع حمام حقيقي بداية القصة. في هذا البحث، أردتُ أن أعرف ما إذا كانت كيمياء الغلاف الجوي تسهّل مسار تحليق الطيور وطريقة حصول ذلك. في نهاية المطاف، سنحتاج إلى طيور حقيقية مجدداً لتحديد المركّبات الكيماوية التي تستعملها الطيور فعلياً للعودة إلى ديارها. لكن لن يتحقق ذلك إلا في المستقبل البعيد}.
توابل - Hi-Tech and Science
الحمام «يشم» طريقه للعودة إلى دياره!
11-11-2013
الحمام الزاجل، كغيره من الطيور، يجيد تحديد وجهته على نحو مدهش، لكن لا تزال طريقة عودته إلى عشّه محطّ جدل.