لقد مرت بلدان مختلفة بمسارات تعديلية مختلفة، ومعظمها تمكنت من تحقيق تحسن نسبي في قدرتها التنافسية، لكن صندوق النقد يتساءل إن كان هذا سيستمر، والأرجح أنه لن يفعل، فقد كان التعديل مدفوعاً بانتهاء التدفقات الرأسمالية الداخلية. وحين تتحسن الظروف الدورية، وهو ما ستفعله، سيعود العجز في الحساب الجاري.
التعديل هو المفتاح لإنهاء أزمة منطقة اليورو، ويقول المتفائلون إن هذه العملية لاستعادة القدرة التنافسية التي تحدث الآن: انظروا بنجاح قطاع الصادرات الإسبانية، أو انخفاض الأجور في اليونان؟ وبأي حال، اقتصاد منطقة اليورو ينتعش، وهذا يساعد إلى حد بعيد. هذا الحُكم خاطئ بشكل كبير. صحيح أن البلدان الواقعة في أزمة استطاعت تخفيض عجزها في الحساب الجاري، وأن إيطاليا وإسبانيا تتمتعان بفائض الآن. ووفقاً لأحدث تقديرات من صندوق النقد الدولي، بما أن ألمانيا وهولندا لم تقوما بتخفيض الفائض في حسابهما الجاري، فإن منطقة اليورو ككل انتقلت من حساب جار متوازن تقريباً في 2009 إلى حساب فائض هذا العام بنسبة 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن فائض الحساب الجاري لعام 2014 يبلغ 2.5 في المئة. بعبارة أخرى، منطقة اليورو تتأقلم على حساب باقي العالم. لكن في حين أن منطقة اليورو هي نظام ثابت للعملة داخلياً، فهي ليست كذلك خارجياً. فالعملة تفعل بالضبط ما ينبغي أن تفعله كما هو مذكور في الكتب: تستمر في الارتفاع، وبالتالي تعويض التحسينات في الحساب الجاري. ففي الأسبوع الماضي، ارتفع اليورو إلى أكثر من 1.38 دولار. وبإمكانك أن تعزو هذا الارتفاع إلى أزمة الميزانية في الولايات المتحدة، أو تأجيل الانسحاب التدريجي من برنامج التسهيل الكمي من جانب الاحتياطي الفيدرالي. والمؤكد أنه إذا كانت الأزمة المالية الحادة لمنطقة اليورو ستعود، فلا شك أن اليورو سينخفض مرة أخرى بسبب انسحاب المستثمرين. لكن إذا استمر الحال كما هو الآن، فأنا أتوقع أن تبقى العملة قوية، وربما حتى أن تتخطى وضعها الحالي. ومن شأن اليورو إذا تخطى الوضع الحالي أن يعتني بفائض الحساب الجاري لمنطقة اليورو من خلال رفع أسعار سلع المنطقة في الأسواق العالمية. ارتفاع سعر الصرف إن ارتفاع سعر الصرف ربما يقنع البنك المركزي الأوروبي بالاستجابة من خلال تقليص أسعار الفائدة إلى مستويات سلبية وتقديم مزيد من السيولة للبنوك. وهذا أمر جيد بصورة عامة. والمشكلة الرئيسة في ارتفاع القيمة الخارجية لليورو هي أنه يجعل التعديل الداخلي صعباً. وتحتاج بلدان الأزمة إلى تخفيض أسعار صادراتها، لكن القيمة الأعلى لليورو ترفع أسعار الصادرات الموجهة إلى خارج منطقة اليورو. (بطبيعة الحال لا يؤثر سعر الصرف على التجارة بين بلدان منطقة اليورو). ومن الصعب أن نحكم على التقدم الذي حققته منطقة اليورو في مجال التعديلات الداخلية، لأنه لا بد لنا أن نفصل الآثار التي تحدث معاً. مثلا، لا تستطيع أن تتوصل إلى نتيجة قطعية بمجرد النظر إلى التحسن في أداء الصادرات الإسبانية. وأحدث تقرير من صندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي اشتمل على تحليل من هذا القبيل، مشيراً إلى أن التعديل الداخلي كان في معظمه تعديلاً دورياً وليس هيكلياً. وهذه ملاحظة مهمة، مدفونة في فقرة فرعية، هي نفسها مدفونة في مكان عميق داخل التقرير. ومن الناحية الأساسية، تقول الفقرة إن التعديل الداخلي لا يحدث في الواقع، وإن ارتفاع سعر الصرف يضع حداً للسيناريو الذي بموجبه تنتشل منطقة اليورو نفسها من المتاعب من خلال التمتع بفائض في الحساب الجاري في مقابل بقية العالم. ويقول صندوق النقد إن التعديل الداخلي في منطقة اليورو يتطلب نوعين من التغير في الأسعار في بلدان الأزمة. الأول هو أن أسعار السلع غير القابلة للمتاجرة - تخفيض في مدريد - لا بد لها أن تتراجع نسبة إلى أسعار السلع القابلة للمتاجرة مثل سيارة Seat. والآخر هو أن أسعار السلع الإسبانية القابلة للمتاجرة لا بد لها أن تتراجع في مقابل السلع غير الإسبانية القابلة للمتاجرة في بلدان أخرى من منطقة اليورو. مسارات تعديلية لقد مرت بلدان مختلفة بمسارات تعديلية مختلفة، ومعظمها تمكنت من تحقيق تحسن نسبي في قدرتها التنافسية. لكن صندوق النقد يتساءل إن كان هذا سيستمر. والأرجح أنه لن يفعل، فقد كان التعديل مدفوعاً بانتهاء التدفقات الرأسمالية الداخلية. وحين تتحسن الظروف الدورية، وهو ما ستفعله، سيعود العجز في الحساب الجاري. ليس هذا فحسب. يرى صندوق النقد أن تقليص صافي المطلوبات الخارجية إلى مستويات يمكن اعتبارها صحية في بلدان أخرى، سيحتاج إلى «تعديلات نسبية في الأسعار أكبر بكثير مما تتضمنه الحاجة إلى عكس الزيادة السابقة في تكلفة وحدة العمل، أو الحاجة إلى تحقيق فائض في الحساب الجاري». بتعبير فج: نطاق التعديل اللازم هائل بصورة مطلقة. ولا يصدق صندوق النقد أن هذا سيحدث. وتوقعاته في السيناريو الأساسي عن عام 2018 لليونان وإيرلندا والبرتغال وإسبانيا تجعل صافي الأصول الأجنبية - أي الفجوة بين الأصول التي تملكها هذه البلدان في الخارج، والأصول التي يملكها الأجانب في هذه البلدان - أقل من سالب 80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا مستوى لا يعتبر في العادة قابلاً للاستدامة. ويظل التعديل ممكناً من الناحية النظرية، لكن السيناريو الذي بموجبه تقوم منطقة اليورو بالتعديل يتناقض مع السياسة المعلنة. والتحالف الكبير الجديد في ألمانيا سيكون أقل تشدداً في المالية العامة، لكنني لا أرى أي سيناريو تقوم برلين بموجبه بتقليص الفائض في حسابها الجاري على مدى السنوات الأربع المقبلة. وبلدان الأزمة تعاني الآن من إجهاد الإصلاح. وبكل بساطة، التعديل على النطاق الذي يتحدث عنه صندوق النقد لن يحدث، ولا حتى في حالة حدوث نمو أقوى من التوقعات. ففي الاتحاد النقدي يكون التعديل صعباً من دون أي تحويلات ومن دون أي اتحاد في المالية العامة. ولا أستطيع أن أتخيل خطة معقولة حول الكيفية التي تتمكن بها منطقة اليورو من تحقيق الهدف المزدوج، المتمثل في التعديل الاقتصادي واستدامة الديون، دون سياسة رسمية صارمة. وطالما أن مثل هذه الخطة غير موجودة، فإن الأزمة مستمرة. * (فايننشيال تايمز)
اقتصاد
التفاؤل بانتهاء أزمة اليورو يجافي الواقع
14-11-2013
ارتفاع قيمة العملة يجعل التعديل الداخلي صعباً