لفرط غلظة وسماجة عنوان فيلم «سالم أبو أخته» تأليف محمد سمير مبروك وإخراج محمد حمدي، كان مديراً للتصوير السينمائي حتى وقت قريب، تصور البعض أن الفيلم يتناول ظاهرة زنا المحارم، في حين ما يُفسره الفيلم أن البائع المتجول الذي أخذ على عاتقه تربية شقيقته اليتيمة العرجاء، أصبح بالنسبة إليها الأب والأم والشقيق!

Ad

  رسم السيناريو شخصية {سالم} بوصفه {ابن البلد}، الذي يدفع الظلم عن رفاقه من الباعة الجائلين في سوق العتبة، ويعطف على الفقراء، ما يجعله هدفاً لقائد شرطة المرافق السيئ الخلق والطباع، الذي يتحرش به، ويُنهي الأمر بالقبض عليه، والزج به في السجن؛ حيث تظهر العناوين مع سيارة الترحيلات، وهي تشق طريقها إلى السجن، وفي المطبخ نلمح الوشم المرسوم على ذراع البطل، وتنتهي المقدمة السريعة بلقطة عامة لسوق العتبة، واستعراض للشخصيات.

  يؤدي الوشم دوراً كبيراً في التعريف بجانب آخر من شخصية  {سالم أبو أخته}؛ من خلال سرب الحمام المرسوم على ذراعه، ويوحي بأنه طيب المعشر، لطيف الطباع، يجنح إلى السلام، وهو المعنى الذي تباركه {غية الحمام} التي بناها فوق السطح، ويأنس بها كلما تكدر صفو علاقته بالحياة والواقع من حوله، لكن الفيلم يبدو عاجزاً عن تكريس هذه الصورة المسالمة للشاب {سالم}، بعدما أفرط في تقديم الجانب العنيف من شخصيته، وكأنه {بلطجي} على شاكلة {عبده موتة} و{الألماني}؛ فهو مدمن، ولا يتردد في تحطيم المحل الذي تعمل فيه حبيبته، ويُلقن صاحبه درساً قاسياً بعد علمه أنه تحرش بها.

وطوال الوقت تستشعر تناقضاً حاداً بين خيال الكاتب وواقع الشخصية؛ فالشاب {الجدع} الذي يرفض الزواج إلا بعد أن يستر شقيقته {زبون} دائم في ملهى ليلي حقير، ويرافق صديقته العاهرة، و{ابن البلد} صاحب النخوة لا يمانع في أن ترقص حبيبته (زوجة المستقبل) بعهر على الملأ في الفرح الشعبي، الذي جاء بناء على تعليمات المنتج أحمد السبكي، وزيادة في إرضائه افتعل المخرج مشهداً يغني فيه محمد رجب، ويرقص، مع شقيقته وحبيبته والراقصة صافينار، وتتبارى الحسناوات في إظهار مفاتنهن!   

  بالطبع لن تغفر للفيلم صفاقته وهو يربط بين عبور أكتوبر وعبور {ليلة الدخلة}، ولن تجد منطقاً في إنفاق البائع المتجول ببذخ على عائلته وعاهراته، ولا بد سترتسم على وجهك الدهشة وأنت ترى شكل الملهى الليلي الأقرب إلى {خمارات} السينما المصرية في الأربعينيات والخمسينيات، ولن تصدق سذاجة الحوار الذي يحاول البطل، من خلاله، إقناع  صاحبة الملهى بالبعد عن الرذيلة وطريق الحرام، فتذعن لرغبته فوراً، أما المآخذ الفنية فحدث عنها ولا حرج؛ إذ توحي المؤثرات الصوتية كأننا نشاهد فيلم {الزلزال}، والمخرج ينتقي، للكاميرا، زاوية مُقززة من رأس الأنثى اللعوب، والقطعات حادة وعنيفة، وثمة {كليشيه} ثابت في أفلام السبكي (فرح ومطرب شعبي وراقصة)، و{الانفلات الإيقاعي} الذي لا مثيل له!

  لا يمكن القول، بالطبع، إن الفيلم يخلو من المزايا لكنها قليلة، وتحتاج لمن يبحث عنها، وهي مهمة صعبة، إلى حد كبير؛ فإضافة إلى الوشم و{غية الحمام} تميزت لقطة قيام البطل بالصيد في البر (السطوح) بطزاجة على صعيدي الشكل والمعنى، واتسمت نظرة البطل إلى أطفال الحارة وهم يلعبون في الحارة بكثير من العمق، والتكثيف؛ إذ بدا كأنه يتحسر على طفولته التي لم يعش براءتها، والخوف على هذا الجيل من أن يلقى مصيره، ويكرر مأساته، بينما أوحت الشرفة (البلكونة) التي يصل  إليها عبر النافذة بتواضع حال البطل، وتواضع شقته، وبالدرجة ذاتها من الإبداع والإيجاز جاءت لقطة الحمام وهو يُحلق في السماء عقب خروج {سالم} من السجن، وكأنه يحتفي به، أما لقطة قيام المعلمة {دولت} باستخراج ورق الزواج العرفي من أسفل المقعد فاتسمت بالطرافة، وفجرت الضحكات في القاعة، بعدما بدت كأنها {مُدمنة زواج عرفي}، بعكس المشهد المقزز للبطل وهو يقوم بتصوير، مؤخرة الشاب الذي خانه، وأفشى أسراره.

 لكن كاتب السيناريو فشل في تقديم {حدوتة} صالحة لإثارة الدهشة، واتسمت رؤيته بالسطحية والتقليدية، ففي النصف الأول من الفيلم نحن حيال بطل مهزوم يواجه قسوة الحياة وغدر الزمن، وتعنت شرطة المرافق، وتهديد ووعيد الضابط، وتحذير واضح من إمكان تحول الباعة الجائلين إلى قنابل موقوتة، وطوال النصف الثاني نحن في حضرة البطل المنتصر الذي يثأر لنفسه ممن خانوه، ومن ثم تحوّل الفيلم إلى ما يمكن تسميته {لعبة القط والفأر}، وسارت أحداثه برتابة إلى أن وصلنا إلى النهاية التقليدية؛ حيث وقف البطل يترافع عن نفسه أمام القاضي ليُنعي حاله، ويُرثي طبقته ثم تأتي النهاية المفتوحة.