• يتعرض الدعاة في الفترة الأخيرة لانتقادات عديدة بسبب اختلاف رؤاهم ووجهات نظرهم فكيف ترى هذا الأمر؟

-من وجهة نظري لابد من حماية رجال الدعوة الإسلامية الذين يتعرضون لهجمة شرسة، وثمة نقطة جوهرية يجب وضعها في الاعتبار هي وجود حصانة العلماء والدعاة ويعد ذلك أمرا واجبا، فهم ورثة الأنبياء، وهم الصف الأول في المجتمع بنص حديث الرسول (ص) الذي قال إن "العلماء ورثة الأنبياء"، وهم مصابيح الهدى يدعون إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة سائرين على النهج الرباني الذي أنزله الله تعالى على رسوله (ص) في قوله تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125)، ولابد أن يعي الجميع أن الداعية يخضع لرقابة الله تعالى في أدائه لرسالته في مجال التوعية الدينية، ويعلم أنه سيحاسب عليها يوم القيامة، وهو ما يتطلب مراعاة أقصى درجات الحذر والحساب الدقيق لكل ما يصدر عنه من أقوال وتصرفات كداعية يعد قدوة ومثلاً للسلوك الحميد المنضبط.

Ad

• السنة النبوية تتعرض من وقت لآخر للهجوم والتشكيك فيها وبخاصة كتاب البخاري فكيف نواجه هذا الهجوم؟

- هذه الهجمات قديمة، وقام بها كثير من المستشرقين وأعداء الإسلام ومن نهج نهجهم، لكنها هجمات لا قيمة لها، لأن الله الذي تكفل بحفظ القرآن الكريم كما ورد فى قوله تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9)، تكفل أيضا بحفظ كل حديث صحيح وصادق من السنة النبوية، وهذا أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ" (القيامة: 17-18-19)، فقد تكفل الله عز وجل بحفظ كل صحيح من السنة النبوية، فالسنة بمثابة كيان قوي ثابت الأركان غير قابل للتشكيك ورغم تعدد أوجه الطعن فيها على مدى التاريخ الإسلامي الطويل إلا أن هذا لم ينل من مكانتها ومنزلتها في نفوس المسلمين باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي وقد ساهم بشكل كبير في صياغة الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالكثير من مسائل العبادات والمعاملات والتي تمثل محور حياة الإنسان في كل زمان ومكان، والسنة النبوية منذ فجر التاريخ الإسلامي لاقت عناية واهتمام العلماء والباحثين فقد كانت تمثل موضوعا جوهريا لمئات وعشرات الأبحاث والدراسات التي ساهمت في تنقيتها وتصحيحها وبيان الضعيف منها والقوي الدلالة حتى وصلت إلينا في صورة علم متكامل الأجزاء والأركان يصل إلى درجة اليقين، ومن ثم فإن الأساس الذي يستند إليه هؤلاء المغرضون الذين يتمسحون بالقرآن وهو بريء منهم أساس باطل ومردود عليه ولا صحة له، والذين يحاولون اليوم التشكيك في كتب الحديث وخاصة "صحيح البخاري" فهؤلاء دخلاء على الإسلام ويسعون للطعن فيه دون جدوى.

• ينقلنا ذلك للحديث عن مجموعة القرآنيين الذين يدعون للتمسك بالقرآن والاكتفاء به دون الاستناد إلى السنة النبوية فما توصيفك لهذه الفئة؟

- القرآنيون فئة مارقة تسعى إلى تخريب ثوابت الإسلام مع سبق الإصرار والترصد، فهم يدعون أن القرآن الكريم كاف بتعاليمه، ولا حاجة للسنة النبوية ونسوا أنهم بهذا خالفوا القرآن الكريم نفسه لأنه يقول: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا" (الحشر: 7)، فإذا كانوا يتمسكون بالقرآن الكريم كما يدعون فلماذا أسقطوا من ذاكرتهم المشوهة هذه الآية الكريمة، فهؤلاء ليسوا قرآنيين كما يزعمون وإنما يريدون هدم الإسلام وضربه في مقتل من خلال التنكر للسنة النبوية وتشكيك المسلمين في صحتها وكونها المصدر الثاني للتشريع في الإسلام.

• ما أهمية تطبيق فقه الواقع في زمننا الحالي بما يناسب أحوال الإنسان المعاصر وكيف اهتم الإسلام بالإنسان نفسه؟

- الربط بين فقه الواقع والتراث الإسلامي أصبح أمراً ضروريا لمواجهة متغيرات العصر ومستجداته، الله تعالى خلق الكون وفيه مقومات الإنسان ثم خلق الإنسان وحدَّد رسالته في الكون في قوله تعالى‏:‏ "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ‏" (الذرايات: 56)، والإسلام اهتم بالإنسان فصاغ حركته على الأرض عبر وسائل واقعية ترعى طبيعة الإنسان ومتطلباته وغاياته‏،‏ وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تتضمن النفس البشرية جوانب الخير والشر‏، فعلى الرغم من قوة العقل وإرادة الخير‏،‏ فالإنسان كائن ضعيف قد تغلبه شهوات نفسه ورغباتها‏ فتعميه عن الحقيقة وتؤدي به إلى الخروج من النهج الذي أراده الله الذي يحقق فيه الانسجام مع القوانين التي خلقها الله فيسيء بجهله إليها وبالتالي إلى نفسه‏، ولكن الشريعة الإسلامية ستبقى دائماً عاصمة للإنسان من اتباع الهوى.

• أنت من الرافضين لحجية الإجماع في المسائل الفقهية فكيف بنيت رأيك هذا الذي قد يكون مخالفاً لكثير من آراء العلماء؟

- بالفعل أرى أن الإجماع ليس حجة ولا دليلا من أدلة التشريع، بل إن الإجماع فكرة تجريدية نظرية لا علاقة لها بالواقع الفقهي، وقد قرأت عن الإجماع كثيراً ظللت أتنقل فيها بين كتب الأصول، وتبين لي أن نظرية الإجماع كلها تحتاج إلى إعادة صياغة على مستوى الفكرة والشروط وغير ذلك، وأن جميع ما كتب حولها لا يعدو أن يكون نظرية تجريدية لا علاقة لها بالواقع العملي الذي قدمه الصحابة رضوان الله عليهم، خاصة أن الإجماع حسب تعريف الأصوليين: "اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي"، معنى ذلك أنه لابد من حدوث اتفاق بين جميع المجتهدين، وإذا لم يحدث اتفاق بأن خالف ولو واحد منهم فلا يتحقق الإجماع، كما أن الأمر مقصور على المجتهدين فلا دخل لغيرهم، ولذلك فإن الأفضل من حجية الإجماع هو اتباع نصوص القرآن والسنة خاصة أن حجية الإجماع التي تعارف عليها المسلمون منذ عهد الإمام الشافعي نفسه مبتكر علم أصول الفقه اختلف فيها الأصوليون أنفسهم.