{أولاد إنكلترا وفرنسا}
لا تزال نتائج الحرب العالمية الأولى حاضرة في الشرق الأوسط اليوم أكثر من أي مكان آخر. الأحداث المعروفة بالحرب الأهلية الأوروبية (يُستعمل هذا المصطلح لوصف حقبة العنف الدموي التي اجتاحت أوروبا بدءاً من عام 1914) انتهت في عام 1945. وتوقفت الحرب الباردة في عام 1990. لكنّ الاضطرابات التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى في العالم العربي لا تزال حادة بالقدر نفسه. في الأساس، يعتبر الشرق الأوسط أنه يواجه الوضع نفسه الذي واجهته أوروبا غداة معاهدة فرساي في عام 1919: الوقوف أمام خارطة تتنافى مع الوقائع الإثنية والطائفية للمنطقة.في إفريقيا وأميركا اللاتينية ثم في أوروبا (غداة سفك الدماء في الحرب العالمية الثانية)، تقبّلت معظم الشعوب الحدود التي فُرضت عليها. لكن لم يحصل ذلك في الشرق الأوسط. الدول التي تأسست في المنطقة بعد عام 1914 والحدود التي رُسمت خلال تلك الفترة لا تزال تُعتبر غير شرعية بالنسبة إلى عدد كبير من المواطنين وسكان الدول المجاورة. كتب المؤرخ الأميركي ديفيد فرومكين في كتاب {سلام ينهي كل سلام} (يتناول العمل موضوع نشوء الشرق الأوسط المعاصر) أن شرعية الدول في المنطقة تشتق من التقاليد، أو من نفوذ وجذور مؤسسيها، أو لا تكون الشرعية موجودة أصلاً.يتمتع بلدان في المنطقة (مصر وإيران) بتاريخ طويل ومتواصل ولا يمكن هز سيادتهما رغم الأزمات الصعبة. يتابع بلدان آخران الاتكال على الركيزة التي أنشأها مؤسساهما: الجمهورية التركية في عهد مصطفى كمال أتاتورك، والمملكة العربية السعودية التي وحّدها عبد العزيز بن سعود أخيراً في عام 1932.هذه البلدان الأربعة تحيط بمحور الشرق الأوسط الذي يتألف من خمسة بلدان وبلد أخير لا يُعتبر دولة بحد ذاتها. يسميها فرومكين {أولاد إنكلترا وفرنسا}: لبنان، سورية، الأردن، العراق، إسرائيل، فلسطين.ما من مجموعة بلدان (لا سيما نظراً إلى أحجامها الصغيرة) شهدت هذا الكم من الحروب والصراعات الأهلية والانقلابات والاعتداءات الإرهابية في العقود الأخيرة. لفهم سبب حصول هذا الخلل التاريخي، لا بد من أخذ عوامل عدة بالاعتبار: تاريخ المنطقة المحبط قبل الحرب العالمية الأولى، فشل النخبة العربية وتدخل القوى العظمى بشكل مستمر في المرحلة اللاحقة، دور الإسلام السياسي، اكتشاف النفط، تأسيس إسرائيل، الحرب الباردة.سلام ينهي كل سلاملكن يتعلق العامل الأهم على الأرجح بالقرار المتهور الذي اتخذته دولتان استعماريتان أوروبيتان، هما بريطانيا وفرنسا، لحكم هذا الجزء من العالم بما يتماشى مع حاجاتهما الخاصة ورسم {خط في الرمال}، وهو عنوان كتاب المؤرخ البريطاني جيمس بار وقد صدر في عام 2011.لم يتضح بعد إلى أين سيأخذنا الربيع العربي وما سيؤول إليه الشرق الأوسط في نهاية المطاف. السيناريوهات الكارثية تبقى مجرد تكهنات مثل الأمل في أن تتوصل المنطقة إلى رسم حدود جديدة وأكثر استقراراً وتحسين البنى السياسية. لكن من أين يشتق غياب الشرعية والثقة الذي يسمم الشرق الأوسط؟ كيف وصلنا إلى هذا {السلام الذي ينهي كل سلام}؟اسطنبول، صيف عام 1914: تبدو عاصمة السلطنة العثمانية على بُعد نصف عالم من الردهة المشمسة في فيلا الإمبراطور في إيشل حيث وقّع الإمبراطور فرانز جوزيف الأول على بيانه بعنوان {إلى شعبي} في 28 يوليو وأطلق حرباً عالمية عبر إعلان الحرب على صربيا. طوال قرون، سيطرت السلطنة العثمانية على منطقة المتوسط الجنوبية والشرقية، من الاسكندرونة إلى العريش ومن المغرب العربي إلى السويس. لكن وقعت الجزائر وتونس بيد الفرنسيين بينما استولى البريطانيون على مصر. في عام 1911، أسس الإيطاليون رأس جسر في ليبيا. وعشية الحرب الكبرى، كانت الإمبراطورية قد تقلصت لتشمل (عدا تركيا المعاصرة) الشرق الأوسط وحده والعراق المعاصر ومساحة من شبه الجزيرة العربية التي تمتد حتى اليمن.هذه المناطق الواقعة في جنوب تركيا المعاصرة هي التي أصبحت محور معارك الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى. طوال 400 سنة، غرقت المنطقة في ظلمة التاريخ. لكن في بداية القرن العشرين، تحولت سريعاً إلى البيئة المتأزمة التي نعرفها اليوم، حيث أصبحت المدن معقلاً للمعاناة طوال الأجيال المتلاحقة: البصرة، بغداد، حلب، دمشق، بيروت، غزة، السويس.لم يكن أبطال الحرب العالمية الأولى يدركون بالكامل أن محيط السلطنة العثمانية كان يقبع فوق أكبر احتياطات نفط في العالم. لو أنهم علموا ذلك، كان القتال في الشرق الأوسط ليزداد عنفاً ووحشية. لكن في تلك الفترة، كانت أهداف الحرب لدى المعسكرَين تتحدد عبر النظام العالمي الذي كان ليتفكك خلال السنوات الأربع اللاحقة: أرادت بريطانيا العظمى أن تفتح طريق شحن لحليفتها الروسية وأن تضمن اتصالها بالهند عبر قناة السويس والخليج العربي. وأرادت الإمبراطورية الألمانية أن تمنع ذلك تحديداً.صفقات إمبرياليةالتزم العرب بالشروط المطلوبة منهم في الاتفاق. في يونيو 1916، بدأوا تمردهم ضد العثمانيين، وكانت تلك الخطوة حاسمة لمساعدة البريطانيين على التقدم من سيناء إلى دمشق عبر القدس. حصلت ثورتهم بتشجيع من عالم الآثار البريطاني والعميل السري توماس إدوارد لورانس الذي دخل التاريخ باسم {لورانس العرب}.لكن لم تلتزم بريطانيا بالشروط المطلوبة منها. في رسالة وجهها لورانس في بداية عام 1916، كتب أن الثورة العربية ستكون مفيدة للإمبراطورية البريطانية لأنها {تتماشى مع أهدافنا الفورية، أي تفكيك {الكتلة} الإسلامية وهزم السلطنة العثمانية وردعها}. لكن لم تكن الرؤية البريطانية تتماشى يوماً مع الدولة العربية المتحدة التي حلم بها الحسين وأبناؤه.بالنسبة إلى البريطانيين، كان الفرنسيون أهم من رفاق السلاح العرب، فقد كانت قواتهم تحارب معهم وتموت بأعداد هائلة على الجبهة الغربية. قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج لاحقاً لنظيره الفرنسي جورج كليمنصو إن {الصداقة مع فرنسا تساوي عشر نسخ من سورية}. كانت فرنسا قوة استعمارية ولطالما طالبت بالمحافظات المسيحية في السلطنة العثمانية. أما بريطانيا العظمى، فكانت تفضل السيطرة على المنطقة وحدها. لكن في ظل تنامي عدائية العدو الألماني المشترك، كانت لندن مستعدة لتقسيم الغنائم المتوقعة.حتى عندما كان مكماهون يتواصل مع الشريف حسين، عمد البرلماني البريطاني مارك سايكس إلى التفاوض على اتفاق معاكس مع الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو. هو توقع تقسيم المحافظات العربية التي بقيت تنتمي للعثمانيين على أن تحصل فرنسا على المناطق شمالاً وبريطانيا على المناطق جنوباً.كانت اتفاقية سايكس بيكو عبارة عن وثيقة إمبريالية فاضحة. فهي لم تأخذ بالاعتبار أمنيات الشعوب المعنية وتجاهلت الحدود الإثنية والطائفية الموجودة في العالم العربي والكردي، وبالتالي أطلقت الصراعات التي لا تزال تجتاح المنطقة بعد مرور 100 سنة. كتب جيمس بار: {حتى وفق معايير ذلك العصر، كان الاتفاق يهتم بتحقيق المصالح الشخصية بشكل فاضح}.خطة بلفور لإعادة تصميم المنطقةبقيت الوثيقة في البداية سرية. وفي الوقت الذي أتم فيه البلاشفة ثورتهم في موسكو في عام 1917 وجعلوا اتفاقية سايكس-بيكو علنية، كان البريطانيون قد وقعوا على اتفاق سري آخر ولم يعلم بشأنه العرب ولا الفرنسيون.في 2 نوفمبر 1917، وعد وزير الخارجية أرثر جيمس بلفور الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى {بتأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين}. تعددت العوامل التي حفزت البريطانيين على إعطاء اليهود المقموعين الحق بتقرير المصير ومنحهم جزءاً من الإمبراطورية العثمانية لتحقيق تلك الغاية. شملت أهم تلك العوامل الاتهامات بالإمبريالية ضد لندن التي وسعت نفوذها مع تقدم مسار الحرب. لم يشاركهم الإمبرياليون في الحكومة البريطانية أي مخاوف مماثلة لكن أزعجهم الوضع لأن أحد المنتقدين، وهو وودرو ويلسون، كان قد انتُخب للمرة الثانية رئيساً للولايات المتحدة.في أكتوبر 1918، انتهت الحرب العالمية الأولى في المنطقة بإقرار هدنة مودروس. هُزمت السلطنة العثمانية وقُسّمت، باستثناء الأناضول، بين الفائزين وحلفائهم. فُرض {السلام الذي ينهي كل سلام} على الشرق الأوسط طوال قرن كامل.حين وصل الرئيس الأميركي ويلسون إلى باريس في بداية عام 1919 للمشاركة في مفاوضات السلام مع رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج والقائد الفرنسي كليمنصو، أصبح شاهداً على أحداث كانت غير متوقعة بالنسبة إليه. اختلف رئيسا القوتين المنتصرتَين بشدة وخاضا معركة كلامية شرسة. أصر الفرنسيون على اكتساب الحق بفرض الانتداب على لبنان المعاصر والمنطقة التي تمتد حتى دجلة، بما في ذلك سورية المعاصرة. في النهاية، كانت اتفاقية سايكس-بيكو تضمن لهم السيطرة على المنطقة.استفتاء الشعبعارض البريطانيون ذلك الوضع، فقد كانوا يهتمون بفرض الانتداب على فلسطين وكانوا قد تلقوا لتوهم معلومات دقيقة إضافية تتعلق بثروات النفط الهائلة التي يمكن كسبها في بلاد ما بين النهرين. في النهاية، كان منح فرنسا الحق بفرض الانتداب على سورية يتعارض مع الوعود التي قطعوها على العرب في بداية الحرب. كذلك، خاض البريطانيون الحرب في الشرق الأوسط بأنفسهم، فأشركوا مليون جندي تقريباً وخسروا 125 ألف عنصر بين قتيل وجريح.اقترح ويلسون حلاً. لمعرفة ما إذا كان سكان سورية سيقبلون بانتداب فرنسي وما إذا كان سكان فلسطين وبلاد ما بين النهرين سيقبلون بالحكم البريطاني، كانت الطريقة الوحيدة تقضي باكتشاف رغبة الشعوب في تلك المناطق بحسب قول الرئيس الأميركي. كانت الفكرة بسيطة وبديهية. طوال شهرين، تنقل رجل الأعمال تشارلز كراين من شيكاغو وعالم اللاهوت هنري كينغ في أنحاء الشرق الأوسط وقابلوا مئات الوجهاء العرب. صحيح أن البريطانيين والفرنسيين بذلوا ما بوسعهم للتأثير على نتائج المهمة، لكن بقيت نتائجها واضحة. لم يشأ السكان المحليون في سورية أن يخضعوا للانتداب الفرنسي ولم يهتم سكان فلسطين بالانضمام إلى الانتداب البريطاني. نجحت لندن في منع الأميركيين من القيام باستفتاء في بلاد ما بين النهرين.في شهر أغسطس، قدم كينغ وكراين تقريرهما. فأوصيا بفرض انتداب واحد يغطي سورية وفلسطين على أن تُكلَّف الولايات المتحدة الحيادية بهذه المهمة بدل القوى الاستعمارية الأوروبية. ويُفترض أن يصبح فيصل بن الحسين الذي يُعتبر {متسامحاً وحكيماً} رئيس هذه الدولة العربية.اليوم، وحدهم الخبراء بشؤون الشرق الأوسط يعلمون بتقرير كينغ-كراين، لكنه يشكل في الحقيقة إحدى أبرز الفرص الضائعة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. تحت ضغط البريطانيين والفرنسيين، وبسبب المرض الخطير الذي أصاب ويلسون في سبتمبر 1919، أُخفي التقرير ولم يتم الإعلان عنه إلا بعد ثلاث سنوات. في تلك الفترة، كانت باريس ولندن قد اتفقتا على خارطة جديدة للشرق الأوسط، وهي تتعارض بشدة مع التوصيات التي أطلقها كينغ وكراين. قسّمت فرنسا المنطقة التي ستنتدبها إلى دولتَي لبنان وسورية بينما فرضت بريطانيا العظمى الانتداب على بلاد ما بين النهرين التي سُميت لاحقاً العراق، لكن ليس قبل الاستيلاء على محافظة الموصل الغنية بالنفط. بين سورية والعراق ومنطقة الانتداب في فلسطين، نشأت دولة عازلة اسمها {شرق الأردن}.بدل الدولة القومية العربية التي وعد بها البريطانيون للشريف حسين، قسمت القوى الظافرة الشرق الأوسط إلى أربعة بلدان لا تزال من أصعب الدول التي يمكن حكمها في العالم اليوم بسبب انقساماتها الجغرافية وهياكلها الإثنية والطائفية.عواقب وخيمة وطويلة الأمدكانت تلك القوى تعلم ما تفعله. قبل توقيع المعاهدات مباشرةً، تساءلت الأطراف المعنية عن المنطقة التي ستصل إليها الحدود الشمالية لفلسطين (وبالتالي إسرائيل). كتب مستشار في لندن إلى رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج: {في الحقيقة، يبقى أي قسم في البلد العربي بين حلب ومكا غير طبيعي. لذا لا بد من تحديد طريقة التقسيم وفق متطلبات عملية بغض النظر عن طبيعة ذلك التقسيم. الاستراتيجية تشكّل أفضل دليل}. في النهاية، اتّخذ جنرال بريطاني القرار النهائي بمساعدة مدير من شركة النفط الإنكليزية الفارسية.لم يكن العالم العربي طبعاً المكان الوحيد الذي شهد ترسيم الحدود بشكلٍ رفضه السكان المحليون. حصل ذلك في أوروبا أيضاً. لكن أدت ثلاثة عوامل في الشرق الأوسط إلى عواقب وخيمة وطويلة الأمد.أولاً: بدأ عدد كبير من الأوروبيين بتطوير هويات وطنية وطبقات سياسية في بداية القرن التاسع عشر على الأقل، لكن كانت الحرب العالمية الأولى كفيلة بإيقاظ العرب من حلمهم التاريخي. طبّق العثمانيون مقاربة الحياد لحكم محافظاتهم في الشرق الأوسط، لكنهم لم يبذلوا الكثير لإنشاء نوع من البنى السياسية في المنطقة أو لتطوير نخبة فكرية أو اقتصادية. بل على العكس من ذلك: عند بروز أول إشارة على تطور هوية وطنية، كان الحكام العثمانيون ينفون أو يعدمون قادة الحركة. ألقى هذا الإرث بثقله على الشرق الأوسط في بداية القرن العشرين وأدى الخلط بين الدين والدولة إلى إعاقة نموه السياسي.ثانياً: أدى تهور فرنسا وبريطانيا العظمى في إعادة رسم حدود المحافظات العربية السابقة في السلطنة العثمانية إلى نشر فكرة مفادها أن المؤامرة أصبحت وشيكة (تنامى هذا الشعور وتحول إلى هوس في العقود اللاحقة). حتى اليوم، تستمر الأسطورة القائلة إن الالتواء الغامض في خط الحدود الصحراوية بين الأردن والمملكة العربية السعودية حصل لأن شخصاً هزّ يد ونستون تشرشل حين كان يرسم الخط. إنه أمر سخيف طبعاً، لكنه ليس بعيداً عن طريقة رسم المنطقة على يد سايكس وبيكو ولويد جورج وكليمنصو.ثالثاً: على عكس أوروبا، لم يُترجَم التوتر الذي خلّفه السلام الهش في العالم العربي بإطلاق موجة عنف واحدة. خلال الحرب العالمية الثانية، لم تكن المنطقة ساحة حرب أولية.لكنّ الصراعات العالقة التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى، إلى جانب الآثار المترتبة عن الحرب العالمية الثانية الكارثية في أوروبا (تأسيس إسرائيل، الحرب الباردة، السباق على موارد الخليج العربي)، زادت ثقل العبء التاريخي على الشرق الأوسط. كما أنها أدت إلى صراع لا نهاية له، وهو صراع لم ينتهِ حتى هذا اليوم، بعد مرور 100 سنة تقريباً على ذلك الصيف المشؤوم من عام 1914.اليوم كما في الأمدمشق، السنة الثالثة من الحرب الأهلية: تمركزت الشعبة الرابعة من الجيش السوري على جبل قاسيون، أي المكان الذي شهد كما يُقال إقدام قابيل على قتل شقيقه هابيل. يقول خبراء المقذوفات في الأمم المتحدة إن قذائف الغاز السام التي هبطت في ضواحي دمشق في المعضمية وعين ترما في ساعات الصباح من يوم 21 أغسطس 2013 أُطلقت من موقع معين على الجبل. قُتل حوالى 1400 شخص في الهجوم (من أصل أكثر من 100 ألف شخص خسروا حياتهم منذ بداية الصراع).بغداد، وراء {بوابة القتلة}: بعد سنتين على الانسحاب الأميركي، استعاد العراقيون سيطرتهم على ما يُسمى {المنطقة الخضراء} التي تقع على منعطف حاد في نهر دجلة. إنه الحي الذي وجد فيه الأميركيون ملجأً لهم حين غرق البلد الذي احتلوه في فوضى قاتلة. في الوقت الراهن، لم يتحسن الوضع كثيراً. على الجانب الآخر من الجدار، تحديداً في {المنطقة الحمراء}، أصبح الموت ظاهرة شائعة مجدداً. سقط أكثر من 8200 ضحية في السنة الماضية.بيروت، عاصمة لبنان التي يحبها جميع العرب: لطالما كانت هذه المدينة نقطة محورية للحياة العربية والنضال العربي في آن، ولطالما احتدم الصراع فيها بين المتدينين والعلمانيين، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين الشيعة والسُّنة. مع احتدام القتال في ليبيا وسورية واستمرار الاضطرابات في مصر والعراق، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل نجحت بيروت في تجاوز أحدث موجة عنف أم أن الموجة التالية أصبحت وشيكة؟بعد سنتين على اندلاع الثورات في عام 2011، يبدو الوضع في الشرق الأوسط قاتماً بالمستوى نفسه. ما من بلد في المنطقة لم يختبر حرباً أو صراعاً أهلياً في العقود الأخيرة. ولا يبدو أي بلد محصناً ضد اندلاع أعمال العنف في المستقبل القريب. الحركة التي عُرفت باسم {الربيع العربي} توشك على التحول إلى مستنقع من الانقلابات والثورات المضادة.لن يتفاجأ أحد بحصول ذلك إلا الأشخاص الذين اعتبروا الثورات في تونس وليبيا ومصر وسورية جزءاً من تحول تاريخي في أحداث الشرق الأوسط. لا شك أن الاضطرابات الحاصلة شكّلت بداية دموية جديدة، لكنها عكست أيضاً أحدث فصل في صراع إقليمي متواصل بدأ منذ مئة سنة ولم ينتهِ فعلياً.
توابل
قرن كامل من العنف ما الذي فعلته الحرب العالمية الأولى بالشرق الأوسط؟
05-02-2014
ربما انتهت الحرب العالمية الأولى في عام 1918، لكنّ أعمال العنف التي ولّدتها في الشرق الأوسط لم تنتهِ بعد. أدى ترسيم الحدود عشوائياً على يد قوى إمبريالية لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة إلى ترك إرث لم تتمكن المنطقة من تجاوزه بعد.
بيرنهارد زاند من شبيغل كتب مقالة مثيرة للاهتمام حول الموضوع.
بيرنهارد زاند من شبيغل كتب مقالة مثيرة للاهتمام حول الموضوع.