يدور الجدل، ولا أظنه سيتوقف، حول ما شهدته مصر في الخامس والعشرين من يناير منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وما شهدته يوم الثلاثين من يونيو الماضي. لن أخوض كثيراً في هذا الجدل ولكنني سأتوقف عند نقاط أظنها أساسية من وجهة نظري، وسأمر عليها سريعاً خلال بعض المقالات لكشف الحقيقة كما شهدتها.

Ad

 إن ما شهدته مصر منذ أكثر من ثلاثة أعوام كان تعبيراً عن رفض لحالة من السكون الذي اقترب من الجمود نتيجة الإصرار على عدم التغيير، واعتبار أن التغيير مرادف للفوضى أو يعني الإطاحة بالنظام، وزاد الأمر تعقيداً الإحساس بأن الحالة التي كانت قائمة مرشحة للاستمرار نتيجة ما بدا وقتها من مقدمات فهم منها الناس أن النظام مستمر حتى مع اختفاء الرئيس، وذلك بتولي ابنه الرئاسة من بعده، سواء بترتيب في حياته أو بعدها.

وبغض النظر عن صحة هذا أو عدم صحته فإن الأكيد هو أن الاقتناع العام تبنى هذه الرواية وباتت حقيقية أكثر مما لو أعلن عنها صراحة، هذا الطريق الذي رآه العديد من أهل الوطن مغلقاً ورافضاً للتغيير هو الذي هيأ بشكل أساسي الأجواء لقبول الخروج في أول فرصة للتعبير عن الغضب، وهكذا خرجت مجموعة من الشباب لتقود جموعاً مهيأة للتعبير عن غضبها، وبغض النظر عما إذا كانت مجموعات من الشباب مدربة ومعدة لمثل هذا اليوم أو لا، فإن الحقيقة أن الأجواء كانت مهيأة، خروج معظم من خرج وقتها كان بهدف التعبير عن الغضب والرغبة في التغيير، وكانت حدود المطالب وقتها ذات سقف منخفض، لكن الإدارة البعيدة عن أي ذكاء سياسي هي التي ساهمت في الاندفاع بما حدث ليصل إلى ما وصل إليه.

ولكن ماذا عن «الإخوان»؟ أصبح من المعروف قطعاً الآن أن «الإخوان»، في إطار الانتهازية السياسية، أعلنت عدم مشاركتها في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير، وفي إطار الانتهازية السياسية شاركت في النهاية، عندما اكتشفوا أن التظاهرات كبيرة وعدم إعلانهم المشاركة سيحسب عليهم، رغم اتفاقهم السابق مع أمن الدولة على عدم المشاركة، وهو الاتفاق الذي كان أحد أطرافه أحد قياديي الجماعة المسؤولة عن الاتصال مع أجهزة الأمن، واسمه محمد مرسي العياط، النائب السابق في البرلمان وقتها.

يظل السؤال: لماذا اندفع «الإخوان» في تظاهرات ما بعد الخامس والعشرين؟ والإجابة هنا تعود أيضاً إلى غباء الإدارة السياسية في «الداخلية» وقتها، التي خرجت ببيان منتصف الليل لتلقي فيه باللوم الكامل تقريباً على جماعة «الإخوان»، رغم أن الجميع يعلم ورأى أنها لم تشارك إلا في اللحظات الأخيرة من اليوم، وتحديداً بعد العصر، ولكن يبدو أن قيادة «الداخلية» وقتها اعتقدت أن الوقت مناسب لتوجيه ضربة إلى الجماعة باتهامها بالمسؤولية الكاملة عن أحداث اليوم، وقد قرأت قيادة الجماعة الموقف وأدركت أنها وضعت في موقف المواجهة التامة، وبات الأمر بالنسبة لهم أنها معركة البقاء «يا غالب يا مغلوب» كما يقول المثل، لذلك كان بيان «الداخلية» إعلاناً عن شحذ الهمم لديهم والاستنفار من أجل الدفاع عن البقاء، وهكذا فتحت مصر منذ السادس والعشرين من يناير، ليتسلل إليها كل من استطاع من أعضاء الجماعة وحلفائها في الخارج عبر المطارات وعبر الحدود البرية والبحرية والأنفاق، واستنفرت قيادة التنظيم الدولي، وأعلنت ساعة الصفر لتنفيذ المخطط المعد سلفاً للتنفيذ في الوقت المحدد، ولم يكن معلوماً هذا التوقيت، ولكنه فرض عليهم.

تحركت الجماعة بقدر كبير من الدهاء والانتهازية واستغلال أخطاء النظام وقتها، والأهم استغلال بعض الانتهازيين ممن انتسب إلى الحركات الشبابية، واستغلوا أيضاً براءة الكثير من شباب مصر وأهلها الذين خرجوا تعبيراً عن غضبهم وإعلاناً لرغبتهم في تحريك المياه، والملاحظ أن الجماعة وقتها لم ترفع أي شعار ديني، ولكنها في الوقت نفسه سيطرت تقريباً على الحركة في الميادين المختلفة، كل ذلك كان بدعم وإشراف مباشر من قيادة دولة كانت تدّعي أنها شقيقة، وأيضاً بدعم ومباركة أميركية لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة في المنطقة. جاء يوم الثامن والعشرين لتسيطر الجماعة على الحركة، وتستغل الشباب ومعرفتهم بأساليب مواجهة الأمن كما تدرب بعضهم عليه، وبدأوا تحت هذا الغطاء في تنفيذ مهمتهم في إحراق مصر، مستغلين حالة الغضب التي أعمت كثيرين عن حقيقة ما يقومون به، وانخدع كثيرون بما حدث، والمشكلة أن هؤلاء ظلوا في حالة الانخداع لوقت طويل، بعضهم دون أن يدري، والبعض الآخر كان يدري، أو بات يعلم ولكنه لم يكن يريد إلا أن يستمر في عملية تدمير الدولة، متخطياً بمراحل إسقاط النظام، واستمر الحال في هذا الخداع الاختياري لدى هؤلاء حتى اكتشفوا ماذا فعلت أيديهم، فحاولوا التوبة والرجوع عما ورطوا أنفسهم فيه عندما دعموا «الإخوان» ليس فقط ليسرقوا حركة الجماهير وأحلامها، ولكن ليخطفوا الوطن كله نحو المجهول، ساعتها أفاقوا وانضموا إلى ركب الثورة المصرية الحقيقية من أجل استعادة مصر، ولهذا حديث آخر.