تتأمل الفلسفة كرة القدم وتفسر ظاهرتها، وتستوحي منها الكثير من التجارب والأفكار، وتقرأ في أحداثها وجمهورها وملاعبها، ولكن ضمن لعب المنتخبات ثمة فلسفة أخرى، ربما لأن كرة القدم {حرب من دون سفك دماء} كما يقول الروائي بول أوستر.

Ad

 تقول التجارب إنه في تاريخ كرة القدم ظهر بعض العبارات الفلسفية الخاصة باللعبة كـ{أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم} وحقق نجاحاً في بداية السبعينيات مع المنتخب البرازيلي المدعم ببيليه وريفيلينو وجيرسون وتوستا ووجيرزينيو. كان الهجوم البرازيلي في اللعب ممزوجاً بطيف السامبا والرقص فأضفى بعداًَ أسطورياً على كرة القدم، لعبة فيها الكثير من المتعة ومن الأداء {الشعبوي} والشعبي تعكس ثقافة القارة اللاتينية، حتى ظن البعض أن الفلسفة البرازيلية وحدها ناجحة ومثيرة للاهتمام، وأن الكرة وجدت للبرازيليين وحدهم دون غيرهم. لكن هذه الأوهام الجماهيرية سرعان ما بددها المنتخب الإيطالي في الثمانينيات، محققاً كأس العالم بخطة دفاعية وما عرف بـ{الكاتيناتشو}!! ستبقى هذا الطريقة حاضرة في الذاكرة لسنوات طويلة، لكن يبدو أنها ما عادت فاعلة كما في السابق، فاللاعب السابق ديمتريو ألبرتيني قال {ماتت طريقة {الكاتيناتشو} في إيطاليا ودفنت، ولن تحيا مجدداً}.

بعيداً عن البرازيل وإيطاليا، كان اللاعب الأرجنتيني مارادونا يحطم أسطورة الفلسفات ويبني فلسفته الخاصة  عام 1986. قيل إن من يؤمن بفلسفة كرة القدم سيجد أن مارادونا أعظم فيلسوف كروي. كان البطل الفردي في الملعب، حطَّم آمال الكثيرين بمفرده، مزج السحر بـ{الزعرنة} والأسطرة والغش، هو اللاعب في مقابل المنتخب. لكن التجربة المارادونية باتت صعبة الآن مع تصاعد وتيرة الاهتمام بكرة القدم وانتقاء أفضل اللاعبين، فيضمّ معظم المنتخبات النجوم الماهرين ولم يعد ممكناً حصول اختراق مارادوني إلا بمعجزة.

الخصم الألماني

إضافة إلى إيطاليا والبرازيل ومارادونا، تحضر كرة القدم الألمانية التي يقال إن الواقعية إحدى المفردات الأساسية في فلسفتها، والانضباط أهم ما يميز العمل والسلوك لمن له علاقة قريبة أو بعيدة بكرة القدم في ألمانيا. تصبح الأمور صعبة ومعقدة بكل تأكيد عندما يكون الخصم هو المنتخب الألماني، الذي يلعب حتى آخر دقيقة في أوقات اللعب، ويباغت حتى آخر لحظة. والمدرسة الألمانية التي ترهلت في مرحلة من المراحل قابلة للولادة مثل طائر الفينيق. حتى إن النجم الإنكليزي السابق غاري لينيكر فاجأ الجميع بقوله: {كرة القدم لعبة سهلة للغاية؛ حيث يركض 22 لاعباً وراء الكرة وفي النهاية يفوز الألمان}.

لا يمكن التقليل من المدرسة أو الفلسفة الهولندية في كرة القدم أو المدرسة الإنكليزية، لكن تبقى الفلسفة الأكثر شعبية متنقلة بين البرازيل وبين ألمانيا وتتبعهما إيطاليا، من دون أن ننسى أن هذه الفلسفات ممزوجة بثقافات شعبية بين السامبا والتانغو والفلامنغو ورعاة البقر والسباغيتي.

ويتحدث بعض الفلاسفة بدورهم عن ظاهرة كرة القدم، فالإيطالي أمبيرتو إيكو يعتقد أن {كرة القدم أحد أكثر أشكال المعتقدات الدينية الفاسدة شيوعاً في أيامنا هذه، إنها أفيون الشعوب الحقيقي في زمننا الحالي}... وفي أحد مقالات كتابه {السفر مع السلمون} يقر إيكو: {ليست لديَّ ضغينة ضد كرة القدم، أما الأسباب التي تدفعني إلى عدم الذهاب إلى الملاعب، فهي ذات الأسباب التي تجعلني لا أقدم على النوم في دهاليز محطة القطار في ميلانو (...) ويحدث أحياناً أن أتابع باهتمام ولذة مجريات مباراة رائعة على شاشة التلفزيون، لأنني أقدر واحترم سحر هذه اللعبة النبيلة. إنني لا أكره كرة القدم، بل أكره المدمنين عليها. والرياضي وحش، إنه الغيشا (أي فتاة هوى يابانية راقية) ذات القدم المكبوسة والضامرة، والمنذورة لتصبح أداة يستعملها الآخرون}.

ثم يضيف: {إذا كانت الرياضة (الممارسة) هي الصحة، مثلها في ذلك مثل الأكل، فإن الرياضة المرئية هي أسطرة الصحة}. ليس إيكو وحده الفيلسوف الذي أصيب بأزمة فكرية بسبب كرة القدم، بل ثمة الكثير من المفكرين الذين كتبوا المقالات الطويلة عن أحداث رياضية اخترقت جدار أفكارهم، ومن بينهم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، الذي اهتم في منتصف القرن العشرين بالطابع المعقد لكرة القدم ليخلص إلى أن {كل شيء في مباراة كرة القدم يصبح معقداً بحضور الفريق الخصم}.

باختصار، لم يخطئ ألبير كامو حين قال: «المعرفة الكلية للروح البشرية تمر خلال كرة القدم».