ليست هي المرة الأولى ولا العاشرة التي تتحدث فيها إيران على ألسنة كبار المسؤولين فيها بالطريقة التي تحدث بها قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري قبل أيام، أي في ذروة مأساة غزة، حيث قال: "إننا قادرون على تدمير إسرائيل عن بكرة أبيها شريطة أن يفتي المرشد الأعلى علي خامنئي بالجهاد"، وقال أيضاً: "لو أذن لنا القائد المعظم بالجهاد فسنسوّي إسرائيل بالأرض خلال أربع وعشرين ساعة... صواريخنا تنتظر الانطلاق بلهفة منذ سنين".

Ad

والسؤال الذي يجب أن يُطرَح، خصوصاً أن الإسرائيليين مستمرون في ذبح غزة والشعب الفلسطيني من الوريد إلى الوريد هو: ما الذي يمنع القائد الأعظم، أدام الله ظله، أن يأمر بـ"الجهاد" كي تنطلق الصواريخ التي تنتظر الانطلاق بلهفة منذ سنين، وكي تسوي إسرائيل بالأرض خلال أربع وعشرين ساعة، وتدمرها عن بكرة أبيها وعن بكرة أمها أيضاً، وتريح العرب والعجم والغرب من معركة "المبادرات" المتناطحة التي أعطت بنيامين نتنياهو الفرص التي يريدها لاستكمال تدمير غزة وذبح أهلها؟!

"أشبعتهم شتماً وفازوا بالإبل"... ولعل ما يثبت أن العرب وأخوتهم "العجم" و"الترك" لم يتعلموا من تجارب سنوات طويلة، وأنهم لم يكتشفوا بعد كذبة: "تجوع يا سمك" التي أطلقها أحمد سعيد عشية حرب يونيو (حزيران)، التي مرغ الإسرائيليون خلالها أنوفنا بالتراب، واحتلوا فلسطين كلها من البحر الأبيض المتوسط حتى نهر الأردن "الشريعة"، كما احتلوا سيناء حتى قناة السويس، وهضبة الجولان حتى مشارف دمشق، والمشكلة هنا أنه برز خلال هذه الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على غزة وعلى الشعب الفلسطيني أكثر من أحمد سعيد، وأن التصريحات "التبجحية" جعلت العالم الغربي والشرقي أيضاً يضع يده على قلبه خوفاً من أن تنهي ألوف الصواريخ التي أطلقتها "حماس" الدولةَ الصهيونية وتزيلها من الوجود "وتسوّيها بالأرض".

لقد كان على إيران بدل هذه الزمجرات الفارغة، أن تأمر حسن نصر الله بفتح جبهة ضد إسرائيل، مادام أنه قال في بداية انضمامه الميليشاوي إلى بشار الأسد للمساهمة في ذبح الشعب السوري، إنه ذاهب إلى سورية للدفاع عن القضية الفلسطينية، ومادامت ضاحية بيروت الجنوبية التي حولها، بدعم وتوجيهات الولي الفقيه، أدام الله ظله، إلى مستودع كبير للصواريخ التي ثبت أنها، وبخاصة بعد هذه الحرب، لا تنتظر الانطلاق بلهفة إلى فلسطين، بل تنتظر الانطلاق نحو مواقع الطوائف المشاكسة، إن هي اضطرت لرفض هذه الحالة التي يفرضها فسطاط الممانعة على لبنان.

لا شك في أن الشعب الفلسطيني، كعادته دائماً وأبداً، قد أظهر بطولات رائعة في مواجهة جيش الغزو الإسرائيلي، وفي التشبث بأرضه، لكن ما كان يجب أن تحول بيانات "حماس"، التي تتكئ على بيانات أحمد سعيد الشهيرة، الدولةَ الإسرائيلية، التي تملك جيشاً من أكثر جيوش العالم تسليحاً وعدة وعدداً، إلى ضحية، فالغرب، المنحاز أساساً، ركّز إعلامياً وسياسياً على آلاف الصواريخ التي لم يستطع أكبر جنرالات جيوش الكرة الأرضية حفظ أسمائها، وأغفل حقيقة أن هذه الصواريخ لم تقتل إلا إسرائيليين أحدهما هلعاً بالسكتة القلبية، وذلك في حين أن أعداد الشهداء والجرحى من أبناء غزة أبناء الشعب الفلسطيني قد وصلت إلى أرقام فلكية، إضافة إلى الدمار المرعب الذي حل بـ"القطاع المحاصر، وبمدنه ومخيماته التي حوّلها الإسرائيليون إلى عصف مأكول".

إنه من حق الفلسطينيين أن يرفعوا شعار: "الدم يغلب السيف" وشعار "ان اليد قادرة على مقاومة المخرز"، لكن من حقهم على قياداتهم ألا تستمر في إقحامهم في معارك خاسرة لحسابات ليست فلسطينية بل إقليمية ودولية، ومن حقهم أيضاً، حتى قبل انتهاء المعركة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، أن يسألوا قياداتهم سواء التي تعيش معهم وبينهم أو التي تتمتع برغد العيش في العواصم البعيدة، عما حققت لهم وطنياً حربُ عام 2008 - 2009 وحرب عام 2012، ليتم إقحامهم في هذه الحرب الجديدة، التي تحوّلت إلى حروب مبادرات ومناورات عربية وغير عربية، والتي ستثبت الأيام القريبة قبل البعيدة، أنه كان يجب تحاشيها بكل الوسائل، مادامت حالة هذه المنطقة هي هذه الحالة البائسة، وأن الوضع العربي لا يسر الصديق ولا يغيظ العدا، وأن الوضع الفلسطيني أسوأ من الوضع العربي بألف مرة!