كانت مصادر مياه الشرب في الكويت قديماً محدودة جدا وبدائية، حيث كان الأهالي يعتمدون على مياه الأمطار بالدرجة الأولى، فمنها تمتلئ آبار المياه الجوفية، ومنها يتم تخزين ما يمكن تخزينه في البرك المنزلية، ومنها ما يتجمع في حفر الفرجان المعروفة والتي تستخدم مياهها للغسيل وليس للشرب. كانت هذه هي الحال في شبه الجزيرة العربية عموما، وكان الماء عزيزا جدا، ولا يمكن التساهل بالافراط في استخدامه. ولأجل ذلك كان التصدق في مياه الشرب، والذي يعرف بمصطلح "سبيل ماي" عملاً مهماً ومفيداً جداً للناس، فاشتهر عبدالعزيز الدعيج رحمه الله بـ"راعي السبيل"، الذي مازال الى اليوم وقفا معمولا به.وفي أيام حكم الشيخ مبارك الصباح، بدأ في الكويت نقل مياه الشرب من شط العرب إلى الكويت، ويتم بعد ذلك توزيعه على المنازل من خلال الكنادرة الذين ينقلون المياه من السفن والبرك الحكومية الى المنازل. وعرف النوخذة احمد الخرافي رحمه الله بتصدقه بمياه الشرب من الشط على الناس، وكان قد خصص سفينة ماء لذلك.
واستمر الوضع كذلك إلى فترة الأربعينيات من القرن الماضي التي شهدت حقبة استخراج النفط وتصديره ووجود العديد من الإنكليز والأوروبيين للعمل في النفط. وبتاريخ 3 أغسطس 1942 قدم رئيس شركة نفط الكويت تقريراً إلى أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر رحمه الله، حول مسألة توفر مياه الشرب في الكويت، ولأهمية التقرير ولكونه يضيف معلومات تاريخية جديدة، أقدم للقراء الكرام بعض التفاصيل عن هذا التقرير، ورد الشيخ أحمد الجابر عليه.يقول التقرير إن كنز الجيولوجي في شركة نفط الكويت أجرى بحثاً ميدانياً عن المياه في الكويت وتوصل إلى نتيجة مفادها أن مياه الآبار أشد ملوحة من مياه البحر في بعض الحالات، ولا يمكن أن تكون مصدراً للاستعمال الآدمي. إلا أنه عثر على أجود نوع من المياه العذبة في مكان يقع على بعد 35 ميلاً جنوب غرب الكويت ولكنه يتطلب عملية تصفية قبل استعماله في الشرب، وهذا يستلزم شراء آلات ضخ وآلات تصفية غالية الثمن من الخارج. أما داخل مدينة الكويت فقد تم العثور على مياه صالحة للشرب ولكنها توجد في مكان عميق. وقد أشار التقرير إلى أن تجربة أجريت في منطقة العديلية وكانت نتيجتها كما كان متوقعاً وهو أن المياه التي عثر عليها ليست صالحة للاستعمال البشري.وفي النقرة والشامية وجد التقرير أنه إذا ارتفع منسوب مياه هذه الآبار نتيجة لسقوط الأمطار فالمياه العلوية تصبح صالحة للشرب بعد التصفية ولكن المياه التي في الأعماق غير صالحة للشرب. وأوضح التقرير أن مياه بعض السدود هي من أعذب أنواع المياه، فهي تتجمع نتيجة لحفر الآبار حيث إن التراب الذي يتراكم على هيئة سد يصل ارتفاعه إلى حوالي متر أو أكثر في بعض الحالات يحجز مياه الأمطار ولكنه يفيض إلى السد الذي يليه بعد ارتفاع منسوب مياه الأمطار. وتكون المياه في السد الثاني والثالث أقل عذوبة بل قد لا تصلح للشرب مطلقاً، ولكن الناس بحكم الضرورة يستخدمونها.نتوقف هنا اليوم، ونكمل حديثنا حول تقرير شركة نفط الكويت عن المياه، ورد الشيخ أحمد الجابر عليه في الأسبوع المقبل، إن شاء الله.
أخر كلام
وثيقة لها تاريخ: «نفط الكويت» تقدم تقريراً عن المياه في الكويت للشيخ أحمد الجابر سنة 1942
11-04-2014