يحاور خالد النجار في كتابه {سراج الرعاة... حوارات مع كتاب عالميين} كل من ألبرتو مورافيا، يانيس ريستوس، جون غروجان، غي غوفيت، يواخيم سارتوريوس، زاووكي، فرانسوا ريكارد، آلان نادو، إدوارد سعيد، كلود بلوتان، دومينيك شوفالييه، بيار أوليفييه، إيتل عدنان، والتركي كمال يشار وغيرهم. يطرح عليهم النجار عشرات الأسئلة على امتداد سنوات طويلة، وجغرافيات متباعدة، من تونس إلى الاسكندرية إلى القاهرة ودمشق وباريس، وصولاً إلى أثينا ونيويورك ومونتريال وغيرها من مدن وعواصم.    

Ad

في مقدمة الكتاب، يعتبر النجار أن الحوار سفر مزدوج ومفارقة لذيذة، رحلة داخلية وخارجية في الآن نفسه. حيث كان يسأل الكاتب والشاعر عن عمله، ولم يكن يدري أنه كان في الواقع يعالج تلك الأسئلة التي تحور في الداخل، أسئلة الكتابة والحياة، فكل منها يحيل إلى الآخر. داخل تلك المتاهة، متاهة الذات ومتاهة الكتابة التي لا بد من وجود الآخر القارئ الذي يعيد ابتكارها من جديد.

يلفت النجار إلى أن لكل حوار من هذه الحوارات قصة يمتزج فيها القصد بالمصادفة، ولكن تجمع بينها رغبة في سماع صوت الآخر مباشرة، إذ كثيراً ما وصلت إلينا تجارب الأدباء الغربيين المعاصرين من خلال الترجمات أو القراءة أو التأويل. من هنا يريد النجار سماع صوت الآخر، يتركه يتكلم وينقل كلامه حيث يضيق مجال القراءة والتأويل. ورغم ذلك، يدرك النجار من خلال هذه الحوارات أن ثمة ثلاث صور متصارعة: الصورة التي يقدمها الكاتب لنفسه عن أعماله وتجربته، والصورة التي هو عليها بالفعل، والصورة التي يصنعها القارئ، حيث القراءة هي إعادة ابتكار للنص، فالنص الذي لم يقرأ هو نص غير موجود، شبيه بالحلم لدى الكاتب، فنحن عندما نحلم لا يشاركنا في الحلم أحد.

ألبرتو مورافيا

في حواره مع ألبرتو مورافيا، يسأله خالد الجار عما يثيره في الثقافة العربية، فيرد عليه مورافيا بأنها ثقافة عظيمة تشهد تحولاً وتغيراً كبيرين، هذه الثقافة المتوسطية الشرقية التي كان لها تأثير كبير في الماضي على مختلف الثقافات. والشيئان الأساسيان في هذه الثقافة اليوم هما، أنها تعيش انتقالاً من ثقافة زراعية، حرفية تقليدية إلى ثقافة صناعية حديثة، كما أن ظاهرة البترول تؤدي دوراً مهماً في حياة العرب اليوم. يسأله النجار أيضاً عن حركة العودة نحو الجذور والاحتماء بالثقافة القومية، من إيران حتى أميركا اللاتينية وذلك في مواجهة حركة العولمة وتفسخ المقدسات. هنا يفسر مورافيا هذا الأمر بالتالي إن ثمة حركة ثورية دائمة في التاريخ، حركة مد تعقبها حركة جزر، وما هو مؤكد أن الجماهير ماضية في اكتساب الثقافة، والمضي نحو ديمقراطية الثقافة. فبعض الثورات الكبيرة هي حركات تمضي نحو العالم الحديث، رغم أنها تبدو كإيديولوجيات ماضية نحو الخلف بيد أنها تسير نحو الحداثة والتقدم. وثمة شيئان مهمان في حركة الجماهير قد يطغى أحدهما على الآخر: القومية والاشتراكية.

إيتل عدنان

أما الرسامة والشاعرة إيتل عدنان فيسألها النجار عما إذا كانت الكلمة لا تكفيها، فتكملها بالرسم، فترد إيتل بأن كل فن كاف بحد ذاته. فالشاعر غير مجبر على أن يرسم، يستطيع أن يكتفي بالكلمة، بيد أن الرسم بالنسبة إليها هو لقاء مع الطفولة، إنه سر الطفولة وعجائبها. الطفل يحب اللون أكثر مما يحب الكلمات، ولكن لا راحة للكبار، إذ يصير الرسم كذلك شعراً. ويسألها النجار أيضاً عن موقع الشاعر في المدينة والتاريخ، فتقول إن ما تريده من الشعراء والموسيقيين والرسامين أن يعيدوا إلى العالم وداعته. وتضيف أن {الناس يعيشون عنفاً يومياً، وهو شيء مفزع، ثمة رقابة على الفكر، ولا رقابة على الأفلام الرديئة التي تعلم العنف للشعب. يُسكتون الشعراء، وينشرون الأفلام الرديئة، فالشباب يعتبرون السينما مدرسة العنف، والذي يواجههم يقولون إنه رجعي}. وتعتبر أن المثقفين الذين لا يمارسون المحبة هم أشباه مثقفين.

آلان نادو

أما علاقة الروائي الفرنسي آلان نادو بالكتابة فيفسرها للنجار، بأنها شبيهة في كثير من الوجوه بالعلاقة الغرامية، إنها مزيج من صبابة وحقد وغضب وفراق وتلاق وأفراح عارمة، وغيرة. كلها من خصائص تجربة الحب، بقطع النظر عن موضوع الحب، أن يكون الكتابة أو الفكرة التي نكونها عنها. أو أن يكون موضوع الحب شخصاً واقعياً، وقابلاً للتحديد.

فرانسوا ريكارد

يخبر فرانسوا ريكارد، وهو كاتب من كيبيك، النجار عن وضع ودور الكاتب في كيبيك، هذا البلد المتقدم اقتصادياً واجتماعياً وتكنولوجياً.

يلفت إلى أن الكاتب في بلده كان صاحب رسالة، يحمل على عاتقه قدر أمته، وهو الذي بلور الأسطورة القومية. فكان نوعاً من {حامل لواء الفرسان}. باختصار، كان بطلاً قومياً. لكن الوضعية تغيرت منذ حوالى عشر سنوات، وهو تحول سعيد، حيث صار الكاتب الكيبيكي اليوم واعياً نقدياً، صار كاسر إيقاع الجماعة. يزعج، يقلق، وصار حارس اللغة، بمعنى أنه يعيد إليها حريتها، تلك اللغة التي استولى عليها رجال السياسة ورجال الإعلان وأناموا بها الناس ليسيطروا عليهم. فالكاتب هو الذي يعيد إلى اللغة طاقتها التحريرية والإبداعية. صحيح أن الكاتب الكيبيكي اليوم أكثر عزلة مما كان عليه قبلاً، وأقل التزاماً بهذه القضية أو تلك، وبهذا الحزب أو ذاك، لكن هذه الحرية نفسها هي التي ترسم حدوده، وتلك العزلة هي قوته والمؤمنة على استقلاله.

بيار أوليفييه

ويفسر الشاعر بيار أوليفييه علاقته بالقصيدة والوجود، فيأمل أن يصير الوجود شعراً بالمدى الأوسع لمعنى هذه الكلمة. لكن الشعر ليس دائماً موازياً للوجود، لأجل هذا نجد الشاعر في عصرنا كمن سبقه من شعراء الزمن القديم لا يكتفي بالتغني بالعشق، بالسماء الزرقاء والعصافير الصغيرة، ذلك أن الوجود بالنسبة إلى غالبية البشر بعيد أن يكون شعراً. كذلك على الشاعر أن يلتصق بالأرض، وأن يكون شاهداً على عصره، عليه أن يغني على طريقته وبموهبة تعاسات الشعوب وآمالها. وعلى هذا الأساس فقط يستطيع، إن كان يملك قلباً حساساً لمعاناة الناس، أن يستحق لقب شاعر. من جهة أخرى، فإن الشعراء الذين صمدوا عبر القرون هم أولئك الذين تغنوا بمحبة الوطن، بآلام المقهورين، ورفضوا مهانة الإنسان والتفاوت الطبقي، على الشعر أن يكون نشيداً كبيراً لمحبة الناس، أن يدفئ قلوبهم، وأن يدفعهم إلى العمل نحو عدالة أكثر، وحرية أكثر، وفرح وجودي.

هذا غيض من فيض من كتاب غني بحواراته مع لامعين في مجال الثقافة.