العدالة في الأسعار ينبغي أن تقابلها عدالة في الإدارة العامة، فيتم اختيار أعضاء الحكومة ممن يتكلفون هذه الأسعار وفق معايير الكفاءة، لا عبر المحاصصة الطائفية أو القبلية، وعبر تكدس 7 وزراء "شيوخ" في الحكومة الحالية.

Ad

لم يكن برنامج عمل الحكومة الذي صدر الأسبوع الحالي، ولا حديث رئيسها عن «عدم امكانية استمرار دولة الرفاه»، يحمل أي جديد بقدر ما كان يحمل تكرارا بصياغة مختلفة لمجموعة من التقارير والبرامج السابقة التي سبق ان تبنتها الحكومات السابقة سنوات طويلة تعود الى ثمانينيات القرن الماضي.

فبرنامج عمل الحكومة الذي تناول قضايا مهمة طال انتظار معالجتها كإصلاح الميزانية وتحديث البنية التحتية وتنويع الاقتصاد والتنمية والتنمية الشبابية والرعاية السكنية وغيرها كثير لم يخرج عن تقارير تبنتها الحكومة كتقرير اللجنة الاستشارية الاقتصادية عام 2011 ولا حتى تقرير لجنة اصلاح المسار الاقتصادي عام 2000، فضلاً عن تقارير متنوعة للمجلس الاعلى للتخطيط.

وحتى الحديث عن عدم امكانية استمرار دولة الرفاه - وهي في حقيقية الأمر ريعية اكثر من كونها رفاهية- معروف ووارد في تقارير كثيرة لصندوق النقد الدولي، إذ يتنبأ بعدم تحقيق الكويت للفوائض اعتبارا من عام 2017 لا 2021 كما ورد في كلمة رئيس الوزراء في مقدمة برنامج عمل الحكومة.

ولا ينكر منصف مسؤولية المواطن في سد ما يمكن ان ينجم من عجز متوقع في الميزانية خصوصا ان الخدمات التي يتلقاها المواطن اشبه ما تكون بالمجانية، لا سيما في الكهرباء والماء والبنزين والهاتف الارضي وغيرها كثير، إلا انه في المقابل ايضا لا يمكن انكار أن الادارة الحكومية السيئة لا يجوز ان تكون مؤتمنة على الايرادات الجديدة غير النفطية التي ستتدفق على الميزانية بعد اعادة احتساب اسعار الخدمات بشكل يفترض ان يكون عادلا.

عدالة الإدارة

لذلك فالعدالة في الاسعار ينبغي ان يقابلها عدالة في الادارة العامة، فيتم اختيار اعضاء الحكومة ممن يتكلفون هذه الأسعار، وفق معايير الكفاءة لا عبر المحاصصة الطائفية او القبلية او عبر تكدس 7 وزراء «شيوخ» كما في الحكومة الحالية، فالمنطق يقول ان من يدفع هو من يدير او على الاقل يحصل على ادارة رشيدة تدير الاموال التي يدفعها بشكل سليم... ولعل عقلية المحاصصة امتدت في كثير من المناسبات الى العديد من الهيئات او الاجهزة في الدولة، وكان آخرها التعيين الحكومي لاعضاء المجلس البلدي الذي لم يخل من هذه العقلية.

وصحيح ان المواطن يتلقى خدمات كالكهرباء والماء بأسعار شبه مجانية الا انه في ظل ازمة السكن يدفع ايجارات او قروضاً بمبالغ عالية جدا بسبب فشل الادارة في حل مسألة ندرة المساكن، فصار ما يدفع للسكن اعلى مما يمكن ان يدفع للضريبة وهو للاسف موجه لمصلحة تجار العقار او البنوك لا لمصلحة الميزانية العامة... وهذا اختلال كبير ينطبق ايضا على كثير من المواطنين الذين يمكن ان يتساءلوا عن امكانية دفع رسوم على التعليم او الصحة بينما هم لا يتعاطون مع خدمات الدولة في هذين القطاعين نتيجة لسوء الاداء فيهما.

الحديث عن العجز المالي المتوقع، رغم صحته بل وضرورة التدخل السريع لمنع وقوعه، يستلزم بالمقابل اعادة النظر في العديد من الممارسات الخاطئة كالافراط الحكومي في السنوات الاخيرة في صرف مليارات الدنانير على المنح والمساعدات لدول عربية بهدف مجابهة الربيع العربي مرورا بالتجاوزات المالية في المناقصات والمشاريع الحكومية وانتهاءً بالمميزات الخاصة بالقياديين والوزراء... فالتقشف وضبط الانفاق يجب ان يشمل الجميع دون استثناء.

11 مليار دولار

ولا يعقل مثلا ان نتحدث عن ضبط الانفاق في حين ان الحكومة منحت او اودعت خلال اقل من 3 سنوات ما يوازي 11 مليار دولار لدعم حكومات لديها مشكلات مع شعوبها، فهذا النوع من التدخل فيه درجة عالية من المخاطر الاقتصادية والسياسية لو نجحت الشعوب في احداث تغيير ما لصالحها.

ولعله من المفيد القول كذلك ان تنفيذ برنامج الحكومة واصلاح الميزانية وايراداتها يستوجبان وجود حكومة قوية قادرة على التصدي للمطالب الشعبوية كالزيادات والمنح والكوادر لا ان تتراجع كما تراجعت في صندوق الاسرة قبل اشهر، اذ عارضت في البداية وعرض وزير المالية وقتها مصطفى الشمالي العديد من المخاطر الناجمة عن الصندوق ثم وافقت الحكومة عليه لاحقا كما وافقت على العديد من الكوادر بسبب ضغط الاضرابات، لذلك فالمطلوب من الحكومة عندما تتبنى برنامجاً لرفع مستوى الايرادات غير النفطية ان تكون مصممة على تنفيذه دون تهاون مع عدم إغفال الجوانب الخاصة بضرورة اصلاح ادارتها وآليات صرفها.

تحتاج الميزانية إلى الكثير من الاجراءات وليس مجرد رفع الدعم - رغم ضرورته - فهناك حاجة إلى خصخصة حقيقية تتوفر فيها المنافسة للمستهلك ويكون دور الدولة فيها رقابيا واشرافيا من خلال هيئات عليا لكل قطاع يتم تخصيصه، كذلك يجب رفع العبء المتكون على الميزانية العامة بسب التوظيف والرواتب والاجور والتي تستهلك اكثر من 10 مليارات دينار من اصل 22 مليار دينار هي اجمالي الموازنة - 6 مليارات دينار قيمة دعم السلع- ورفع العبء يكون بإطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة بتسهيل الاجراءات والتمويل ومنح الأراضي وتسهيلات العمالة، كي تتاح الفرصة للطامحين في العمل الحر لأن يجدوا ضالتهم بعيدا عن العمل الحكومي.

الاشتراطات اعلاه ليست لمنع اعادة تسعير الخدمات فهذا حق للدولة، بل هي لترشيد استخدامها من خلال ادارة واعية وقادرة على التصرف بما يمنع العجز المالي من خلال تنويع الاقتصاد وضبط المصروفات.