تطرقت في مقالي السابق إلى أسباب نهوض المجتمع الياباني، لاسيما بعد كارثة هيروشيما، وهي الوعي بأهمية النقد الذاتي، وتحمل مسؤولية الخطأ، والعمل الجاد على إصلاح الخطأ، حيث اختار اليابانيون الطريق الذي يصحح الانحراف ويمنع تكراره، إيماناً منهم بأن المشاعر لا تصنع مستقبلاً.

Ad

لن نطمح إلى الوصول إلى ما وصل إليه المجتمع الياباني من تقدم وازدهار، فهذا حلم جميل، لكن يحق لنا على الأقل الاستفادة من تجربته والسبل التي اتبعها للنهوض. ولنبدأ بممارسة النقد الذاتي وهذا أضعف الإيمان.

أثناء متابعتي لجلسة الاستجوابات الماراثونية ألح علي التساؤل: ماذا استفدنا؟ ما الذي استفاده الشعب الكويتي من هذه الجلسة باستجواباتها الخمسة؟ مع تكرار هذا السيناريو والتسابق لتقديم استجوابات منفردة ومتعددة بعد جلسة القسم يحق لنا التساؤل: ألم تكن النتيجة معروفة سلفاً؟ لأن الأحكام مسبقة (إيجابية كانت أم سلبية) لا علاقة لها بمادة الاستجواب ولا بالحقائق المعروضة ولا بتفنيد المحاور. 

فعلى سبيل المثال، كان متوقعاً أن ينال وزير الصحة ثقة الغالبية من نواب المجلس بدعم اللجنة الصحية، وتفقد رولا ثقة المجلس قبل المرافعة أو حتى قراءة المحاور. على الرغم من أن رولا هي الوحيدة التي فندت محاور استجوابها وردت على كل النقاط المطروحة، بينما راوغ وزير الصحة وضلل  النواب فيما يخص محور الدكتورة كفاية وأخفى حقيقة ما اقترفه بحقها، وباركت له الأغلبية العظمى من النواب سوء أفعاله، سواء من عارض طرح الثقة أو من امتنع. وبينما تسابق النواب إلى الإطاحة بالحلقة الأضعف في هذه الحكومة، تسابقوا أيضاً إلى الحفاظ على حنفية العلاج بالخارج.

يرى البعض أن الاستجوابات، لاسيما تلك الموجهة إلى رئيس الحكومة، فرصة لكشف الحقائق وإحراج الحكومة. وهل تطرق المستجوبون لأمر ليس حديثاً يومياً يتناوله الناس في الدواوين أو في اللقاءات الاجتماعية؟ وهل يشكك أحد بفشل الحكومة في إدارة الدولة؟ والسؤال الأهم: هل تشعر الحكومة بحرج في حال مواجهتها بفشلها أو تقصيرها؟ إن التسرع في تقديم الاستجوابات، وبخاصة لرئيس الحكومة مع تكرارها وتقديمها دون التنسيق مع باقي النواب لكسب التأييد هو إضعاف لأداة رقابية مهمة. ومن الواضح أن الحكومة لا تنظر إلى المجلس إلا بعين الأرقام، ومن لا يمتلك الرقم لا قيمة له. لذلك، فإن الرابح الأكبر من تلك الاستجوابات الضعيفة هو الحكومة. ويبقى السؤال الأهم قائماً: ماذا استفدنا نحن من اعتلاء رئيس الوزراء المنصة دون وجود مؤيد واحد للاستجواب؟ وما هي الإنجازات المتحققة لنا من هذه الخطوة على أرض الواقع؟

"بردوا جبودنا" هو الجواب الذي يردده البعض. وبعد ما بردت جبودكم، شنو استفدتوا؟  

فلنتعلم شيئاً واحداً من اليابانيين، أن المشاعر لا تصنع مستقبلاً، ولا تغير من الواقع شيئاً.