قلنا في الحلقة الماضية إن الشيخ مبارك الصباح التقى قبطان السفينة العسكرية العثمانية المسماة "زحاف" الذي قَدِم إلى الكويت ليطلب خضوع الشيخ مبارك للدولة العثمانية بتركه للحكم وتسليم الكويت للعثمانيين. وقلنا إن تفاصيل اللقاء وردت في رسالة بعثها الوكيل الإخباري لبريطانيا في الكويت علي بن غلوم رضا إلى المعتمد البريطاني في بوشهر بتاريخ 9 جمادى الأولى سنة 1319هـ (الموافق عام 1901م). واستكمالاً للحلقة السابقة نقول إن الشيخ مبارك كان قوياً وجريئاً كعادته، ولم يتردد في انتقاد الدولة العثمانية، ولم يخشَ أن يصفها بألقاب ذميمة في وجه القائد العثماني الذي جاء ليهدده. تقول رسالة الحاج علي بن غلوم رضا: 

Ad

"قال الشيخ مبارك نعم أنا راضي فيما يقولون فيكم، وأنا بري منكم، وأنا ممنون لدولة السركار على شفقته وحمايته علينا، وأنتم ما لكم حق علينا ابدن (أبدا). انتم أهل البخاشيش، وأنا ما عندي نصيب لكم. قال القبطان إذا كان هذا جوابك، صار عندنا معلوم أنك في تبعة دولة السركار، وأنا كان (كنت) عازم إلى قطر حال أبقى عندكم مستقيم. قال الشيخ مبارك البحر واسع شاء (شئت ان) تروح او تبقا (تبقى)، لكن إذا شفنا منكم حركة منا، أمرنا منور السركار حتا (حتى) يخرجكم من عندنا. قال القبطان إذا كان هذا عزمكم علينا، حالا أنا ماشي إلى الفاو، واضرب تيل (برقية) إلى المشير على أن الشيخ مبارك والقبطان منور السركار قال لنا كيت وكيت، أجيب عليكم عسكر على البر والبحر وأعاقبكم. لكن دولة السركار ما يفيدونك بشي ولا يساعدونك بشي. قال الشيخ مبارك والشيخ جابر إلى القبطان: قم لا تفاخر علينا في دولة الترك، ما لكم قابلية على دولة السركارين، كان بر أو بحر".

وهكذا نرى كيف كان الشيخ مبارك قوياً وشجاعاً في رده، إذ إن القبطان العثماني الذي قدم ليهدد مبارك، ويسعى إلى تخويفه، وجد نفسه في موضع التهديد والتخويف من الشيخ مبارك الذي انتقده وانتقد الدولة العثمانية التي أطلق عليها "أهل البخاشيش" أي الرشاوى، وحذّره من أن الكويت بريئة مما سيحدث للقوات العثمانية إن تجرأت على الكويت وحاولت النيل من سيادتها وأمنها. فما كان من القائد العثماني إلا أن قال إنه سيغير اتجاهه المخطط له، فبدلاً من الذهاب إلى قطر، سيعود إلى الفاو ليرسل برقية (تيل) إلى والي بغداد ليرسل له جيشاً يهجم به على الكويت.

  وهنا استشاط الشيخ مبارك وابنه الشيخ جابر غضباً، وقالا للقبطان العثماني إنهما إن لاحظا أي تحرك عثماني استفزازي تجاه الكويت فإنهما سيأمران القوات البريطانية بالتحرك نحو القوات العثمانية وطردها من قرب الكويت. فنهض القائد العثماني وهدد بأنه سيعود ومعه قوات برية وبحرية كبيرة للاستيلاء على الكويت، لكن الشيخ مبارك لم يكن من النوع الذي يخشى التهديد أو ينحني أمام العاصفة، فخاطب القائد العثماني وقال له اخرج من بلدنا فوراً، ولن يجدي تخويفك لنا، فنحن نرتبط بحلف مع الإنكليز الذين لا تستطيعون مواجهتهم.

في الحلقة المقبلة، سنعرض لكم نهاية رسالة الحاج علي بن غلوم رضا وسنتحدث عما حدث بعد هذا اللقاء بين الشيخ مبارك وقائد سفينة زحاف العثمانية.