بات معلوماً ومألوفا أن اسطوانة الحديث عن معرض بيروت للكتاب تتكرر، بدءاً من افتتاحه من رئيس مجلس الوزراء اللبناني بكلمة سياسية لا ثقافية، مروراً بتوصيف أنه «أبو المعارض والإشادة بدوريه الريادي والتاريخي في مدينة بيروت»، وصولاً إلى «النق» واللطم والتباكي على أحوال الثقافة والكتاب ودورهما في العالم العربي، خصوصاً في زمن التحولات والأصوليات والميليشيات، دون أن ننسى تنظير بعضهم حول كيف يجب أن يكون المعرض والثقافة، ومن يجب أن يشتري الكتب، مع مقارنة أحوالنا المترهلة ثقافياً بالأحوال الأوروبية والغربية، والحديث عن نسبة القراءة والقراء، والقول إن العرب لا يقرأون.

Ad

لا شك في أن معرض بيروت للكتاب تحوَّل من «ظاهرة ثقافية» إلى مجرد سوق لبيع الكتب وينتهي دوره عند هذا الحد، في مرحلة باتت مدن خليجية كدبي وأبو ظبي والدوحة والرياض تنافس بيروت في الطباعة والنشر وتنظيم المعارض والندوات، حتى في مجال الحرية ومناخها هناك مدن عربية باتت تنافس بيروت.

ستزداد هذه السنة الأمور تعقيداً في بيروت، فالمعرض يأتي في خضم خلافات سياسية طاحنة في لبنان وتحت رعاية حكومة تصريف الأعمال إلى أجل غير مسمى، دون أن ننسى الهم الأكبر وهو التوجس الأمني بسبب التفجيرات، بين انتحارية وسيارات مفخخة وعبوات وتوترات من طرابلس إلى البقاع، مرفقة بكمية من الخطب السياسية التحريضية مزركشة بالأصابع المرفوعة وفتاوى القتل في الصحف والتشبيح في الجامعات الخاصة أو التابعة للدولة.

 لنتخيل الكتاب في ظل التطورات المنعكسة على لبنان، وسط الحرب السورية المستعرة على الجدود والتفجيرات العراقية والحذر السعودي من المجيء إلى لبنان بعد تهديدات من «الممانعين»، والصراع المصري بين الجيش والأخوان، والتفلت الليبي بين الدولة والميلشيات، من دون أن ننسى أن لبنان نفسه يعيش تحت وطأة لسعة النار في أي لحظة. ولكن ثمة أمر جميل في المعرض أنه خيط أبيض وسط هذا السواد العريض.

خفوت

يلاحظ هذه السنة خفوت عدد الدول العربية المشاركة في المعرض، على عكس الدورات السابقة التي شهدت زخماً على هذا المستوى، والأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في لبنان وسورية ومصر، ما سينعكس على زبائن المعرض من البلدان العربية.

تضج خيمة المعرض بأنشطة تبدو أقرب إلى كشكول من هنا وهناك، تبدأ بندوة حول كتاب ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط «شاعران في معراج الصوفية». ومن بين الندوات ما هو سياسي وما هو فلكلوري وثقافي نخبوي إذا جاز التعبير، كتكريم مؤسسة «الدراسات الفلسطينية» في الذكرى الخمسين على تأسيسها، وندوة كتاب د. أحمد بيضون عن كتابه «دفتر الفسبكة» بمشاركة جبور الدويهي ووفاء شعراني، وندوة الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، وندوة حول المخرج الراحل يعقوب الشدراوي بمشاركة روجيه عساف وعبيدو باشا ونقولا دانيال، وندوة حول غياب الشاعر محمود درويش، وندوة كتب نوال السعداوي، إلى ندوة سينما المرأة الفلسطينية، وندوة أمين معلوف بعنوان «هوية عربية بلغة أجنبية» والتي يشارك فيها الكسندر نجار وطانيوس نجيم وفخري صالح وأحمد بزون، وندوة حول كتاب «لم يعد لأوروبا ما تقول للعرب» للسفير خالد زيادة بمشاركة محمود حداد وسمير فرنجية.

فليفل وقعبور

اللافت في التكريم في المعرض تحية للأخوين فليفل مع أحمد قعبور وحسان حلاّق. وعودة قليلة للشعر مثل أمسية محمد علي شمس الدين، إضافة إلى ندوة قراءات في النقد الشعري لمروان فارس وسلوى الأمين الخليل وكامل الرفاعي ويوسف عاد وإيهاب حمادي وغسان خالدي، إلى أمسية شعرية بمناسبة إطلاق ديوان «قوس قزح» للشاعر مهدي منصور.

بالنسبة إلى نشر الكتب، يُلاحظ أن الرواية ما زالت مندفعة كأنها وسيلة التعبير الراهنة مع تزايد الروائيين الجدد الذين يدعون إلى تواقيع كتبهم، وثمة محاولات جديدة لإقامة دور نشر مثل {ضفاف} التي انطلقت قبل أشهر مُصدرةً عشرات الكتب، و{شرق الكتاب} التي أصدرت مجموعة نخبوية من الكتب بالفرنسية والعربية، وتسعى إلى أن تأخذ دورها وتقيم مجموعة من النشاطات. أما الملاحظة الأخرى فهي أن بعض الشعراء ضجر من كتابة الشعر في السنوات الأخيرة فلجأ إلى الرواية، التي ربما تغيِّر بعضاً من أحواله.