شكَّلت غزوة نابليون على مصر وما حملته من بعد اجتماعي وثقافي وسياسي، مبرراً لاطراد أعداد الجاليات الأجنبية في مصر، خصوصاً أنها كانت تمثل كل الفئات التي تتحدث الفرنسية سواء اليونانية أو الأرمنية أو اليهودية أو غيرها، هؤلاء وهم من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية، صنعوا المدينة الكوزمبولوتية في القاهرة والاسكندرية ومدن أخرى. وكانت لكل جالية، صحفها ومجلاتها، كتبها وشعراؤها الذين نبغ منهم كثيرون أمثال جين ارقش وأندريه شديد وإدمون جابيس جورج حنين وجويس منصور... وتسللت القصيدة الفرنسية إلى مصر البلد التراثي مما أثر على الفعاليات الشعرية في مصر سواء أكان أعضاؤها من الأجانب المتمصرين أو من المصريين المتفرنسين.

Ad

ويصنف أحمد عثمان في كتابه «فرانكفونيون ومصريون/  مختارات من القصيدة الفرنسية في مصر»، «القصيدة الفرنسية» في إطار ما يتطرق إليه، في مقدمة الكتاب، بأنها تملك بعداً بصرياً، مستوعبة بذلك الأشكال الفنية الغربية كافة، وتاركة مساحة لا محدودة للتعبير عن الصور والأحاسيس. ويختار قصائد مختلفة لشخصيات بارزة، اشتهرت في مجالات سياسية وصحافية وفكرية واجتماعية. تعكس القصائد المنتقاة، ثقافة مرحلة غابرة ربما لم تأخذ حقها حتى الآن، ولم يصدر بعض أعمال أصحابها المولعين بالأدب في كتب خاصة. ويعطي المترجم نبذة عن كل شاعر في هذا الصدد.

نساء

بين شعراء الكتاب أسماء مغمورة أو لا نعرفها وأسماء لها حضورها القوي في الوسط الثقافي، وشعراء هم أبناء كتاب أمثال فولاذ يكن نجل الشاعر ولي الدين يكن، ومؤنس نجل الدكتور طه حسين. ويمكن التركيز في قراءة الكتاب على ثلاثة جوانب، وهي الشاعرات والحركة السريالية والأسماء اللبنانية. والحال أن المترجم يخصص مساحات مهمة للحديث عن شاعرات محددات، والقراءة في مضمون قصائدهن وقيمتها. ويبلغ عدد الشاعرات اللواتي يرصدهن في كتابه، سبع شاعرات هن: ماري كفاديا وهي شاعرة وقاصة سريالية من أصل يوناني، الشاعرة والقاصة والروائية أندريه شديد التي كتبت {محنة الشاعر}، جويس منصور الشاعرة المصرية التي كتبت بالفرنسية والإنكليزية وصاحبة قصيدة {في غرفتي} التي تحكي عن العزلة وأصدرت ديوان {صراخ} الذي كان موضع اهتمام من السرياليين وعلى رأسهم اندره بروتون، نيلي زنانيري وهي من أصل سوري صاحبة قصيدة {قبور}، الشاعرة جين أرقش، درية شفيق شاعرة وكاتبة مصرية تتقن الإنكليزية والفرنسية، وتعتبر من ضمن أوائل المناضلات النسويات المصريات في القرن العشرين، انشغلت في كثير من كتاباتها بقضايا الكولونيالية والتحرر النسوي على الصعد كافة على مدى أكثر من نصف قرن حتى خبا نجمها بفعل انغلاق أبواب الإعلام الناصري والساداتي أمام كتاباتها وخطابها الليبرالي التحريري. ذكر بعض الباحثين أنه ينسب إليها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في دستور مصر عام 1956، في سنوات العزلة ترجمت القرآن إلى الفرنسية والإنكليزية، كذلك ألفت دواوين عدة وتوفيت عام 1975 حين سقطت من شرفة منزلها في الزمالك في القاهرة.

أشعار فرانكفونية

لا يغفل عثمان في تسليط الضوء على أهم الأسماء التي كتبت أشعاراً فرانكفونية مؤثرة، ولعل أبرزهم الذين انضووا في الحركة السريالية أو كانوا إلى جانبها مثل إدمون جابيس، اليهودي الآتي من أصل إسباني إلى مصر، في منتصف الثلاثينيات، سافر إلى باريس والتقى الشاعر الفرنسي الشهير ماكس جاكوب، فما كان إلا أن أرشده إلى متابعة نتاجات شعراء الفرنسية المعاصرين، ودفعه إلى مصادقة بول ايلوار واندريه برتون ورينه شار، ونصحه بعدم الالتفات إلى كتاباته القديمة. التقى جابيس مع الحركة السوريالية لكنه لم يشاركها مواقفها السياسية. وبعد أحداث السويس، هاجر إلى باريس وقال: {تركت بلدي، وكان علي أن أبحث عن صحراء أخرى، غير أنني لم أجد صحرائي أبداً. الصحراء أملي الكبير في حياتي كلها}.

جورج حنين لا يقل شهرة وحضوراً عن ادمون جابيس، فهو شاعر يكتب بالفرنسية، رائد وناقل السوريالية إلى مصر، أمير المنفى أو {تروبادور الصمت}  كما لقبه أندره بروتون. ولد في القاهرة لعائلة قبطية ارستقراطية، وهو ما زال شاباً رحل مع والده صادق باشا إلى روما وفرنسا، في العام 1931، تعرف إلى أندريه بروتون ونيكوس كالاس وايف بونفوا، وانخرط في عالم السريالية وترجمت أبرز أعماله إلى العربية. هذا دون أن ننسى من السرياليين جويس منصور وماري كفاديا.

من لبنان

يفاجئ القارئ اللبناني ببعض الأسماء الشعرية التي وردت في كتاب أحمد عثمان، فإذا كنا نعلم الكثير عن اندريه شديد لكننا ربما نجهل أسماء أمثال فؤاد أبو خاطر وجين أرقش وهنري القايم. أبو خاطر من أصل لبناني أنهى دراسته في كليات بيروت ثم هجر الطب وعمل في الصحافة، وصفه الناقد جون جاك لوتي بأنه موظف صبور، أما الناقد م دو شانتزي فكتب في مقدمة ديوانه {قليل من الحب، قليل من الشعر} أنه أحب أن يسهم في أعمال الروح، الجاذبية المتعددة ودائماً المتجددة التي تدفع الشعراء إلى البحث بشغف عن تعبير العلم أو الاحساس. كتب رواية فلسفية {حديقة الآلهة} (1941) وأصدر عن مطبوعات مجلة {القاهرة} (1951) كتابه التاريخي {حظ ونكبة} (1951) الذي سطر حياة الملكة شجرة الدر والسلطان بيبرس، ومن نتاجه الشعري {رماد بنفسجي}...

أما جين أرقش، فهي شاعرة لبنانية ولدت في الإسكندرية لأب لبناني وأم فرنسية، نشرت كتباً تاريخية عدة إلى جانب دواوينها، وعملت في الصحافة في مصر. في عام 1945، تزوجت من شارل كينز. مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية. من نتاجها الشعري: {مصر في مرآتي} (1931)، {الغرفة الكبيرة} (1933)، {عنز أبو سليمان} (1956). تقول في قصيدة «الصمت لا يرتجف سوى تحت اليد العاشقة»: دائماً الصمت متشابه ونظائره، كأكواب الكريستال اليدوية الصنع، تهتز الحياة تحت الأصابع، واليد الوحيدة تقود الجمع والملامسة السريعة تكشف مستويات الأصوات المقيدة. أوان من الكريستال، كؤوس كالأجراس الصامتة، الصمت لا يرتجف سوى تحت اليد العاشقة.

الشاعر هنري القايم ولد بدوره في المنصورة لأم فرنسية وأب طبيب من أصل لبناني، اكتشف أثناء الدراسة شغفه بالأدب الفرنسي بدءاً بشاوتبريان وبودلير وأندره جيد، وعام 1929 اتجه إلى باريس لدراسة الطب وأسس صداقات مع شعراء عالميين. في العام 1950 أصدر ديوانه «محمود سعيد»، ومع أحداث الخمسينيات السياسية ترك مصر وغادرها إلى لبنان ثم غادر إلى فرنسا. كان القايم وجهاً مميزاً في الوسط الثقافي الإسكندراني، وفي عام 1991 أصدر ديوانه «سر بودلير».

كان يمكن لكتاب أحمد عثمان أن يكون أكثر شمولية في مقدمته، يوثق انهيار المرحلة الكوزمبولوتية بعد صعود الناصرية، بل يوضح السر الذي جعل السرياليين المصريين الفرنكفونيين أشهر من غيرهم من شعراء الفرنكفونية وشاعراته.