آخر الغرافيتيات التي وصلتنا عبر الـ «فيسبوك» وتستوحي غسان كنفاني، تتضمن صورته الشهيرة مع عبارة «تسقط الأجساد لا الفكرة»، هذه العبارة «الكليشيه» كافية للدلالة إلى ما يرمز إليه كنفاني في الوسط الفلسطيني، فهو يبدو، بالنسبة إلى مريديه، ذلك المناضل والسياسي والمقاتل، قبل أن يكون أديباً له قصصه ورواياته، وقبل أن يكون عاشق الروائية السورية غادة السمان، وقبل أن يكون كاتب رواية عن أحد بارات شارع الحمرا في بيروت، لكن غُلاته لم يفرجوا عنها حرصاً على صورته «الثورية» والمثالية التي لا تشوبها شائبة...أن يتغنى المريدون بالفكرة لا الجسد، هنا تحضر المعاني الثورية والأفكار الرومانسية، ومع مقتل كل شخصية رمزية أو اغتيالها تحضر العبارة الكنفانية، هي مختصر مفيد عما يحصل في كثير من الثورات، إذ نستعيض عن رحيل شخص بكلمة «لم يمت»، أو «الوطن باق والاحتلال إلى زوال» أو «بشير حي فينا»، هذه هي الفكرة، كلمات نكتبها على الجدران أو على اللافتات، تغنى بها كأنها زبدة أدبنا.
جذور ثوريّةمعظم المنحى الأدبي لغسان كنفاني حمل في طياته الفكرة المذكورة أعلاه، ربما بسبب جذوره الثورية الفلسطينية، وحتى الأعمال الغرافيتية الأخرى التي اقتبست منه تأتي في السياق نفسه. كتب أحد أقواله التي وظفت في الكتابات الـغرافيتية: «لن أموت حتى أزرع في الأرض جنتي» في مخيم الدهيشة الفلسطيني بصيغة أخرى: «لن أرتدّ حتى أزرع في الأرض جنتي».باتت هذه العبارة الغيفارية شعاراً للحالمين بتحرير فلسطين، لكنها لم ترقَ إلى مستوى عبارة «لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟» التي يعتبرها بعض النقاد أشهر جملة في الأدب الفلسطيني وتختصر رواية بكاملها، ناهيك عن كونها إحدى أكثر الجمل إثارة للجدل، وردت في رواية «رجال في الشمس» وباتت أشهر من الرواية نفسها، واختيرت لتكتب كغرافيتي على خزان مياه في مشهد رمزي. والنافل أنه، في سياق الرواية، يختنق ثلاثة فلسطينيين من شخصيات الرواية، كانوا يحاولون الدخول إلى دولة عربية، عن طريق تهريبهم داخل خزان، مات الرجال في الشمس ولم يطرقوا جدران الخزان طلباً للنجاة، خشية أن ينفضح أمرهم في خزان المهرّب أبو خيزران (شخصية روائية)، كان الموت أسهل عليهم من العودة من دون الوصول إلى مكان يعملون فيه.والنافل أن كنفاني كان عضواً في {حركة القوميين العرب} منذ 1953، وانتمى إلى {الجبهة الشعبية} جناح جورج حبش، وعمل صحافياً في دار {الصياد} ومجلة {الحرية} وأسس مجلة {الهدف}، وكان إلى جانب مهمته الثقافية مقرباً من جيل {الأحلام النضالية} الذي أخذ طابع ما سمي {العنف الثوري} الممجد من قبل الجماعات اليسارية والماركسية، مع أن بعض الدول كان يصنفه (أي العنف الثوري) في خانة الارهاب.كان كنفاني مقرباً من وديع حداد، ويزخر مكتبه بصور شخصيات ثورية من أنحاء العالم، من هو شي منه إلى غيفارا، حتى الثوري الفنزويلي كارلوس المسجون بتهمة الإرهاب في فرنسا، قال إن التحاقه بالمقاتلين الفلسطينيين جاء بتوصية من كنفاني. وفي المدة الأخيرة، لجأ عشاق كنفاني إلى {طس} طبعة استنسل لصورته وذيّلت بـ«كن مع الثورة}، بدا المشهد أقرب إلى أعمال الأميركي آندي وارهول. {كن مع الثورة} أتت في سياق الاندفاع لتأييد الثورات العربية في العالم العربي، قبل أن تضيع الطاسة وتضيع الثورات في كهف المعمعات والإيديولوجيات والتدخلات.
توابل
غرافيتي غسان كنفاني... تسقط الأجساد لا الفكرة
23-03-2014
يعتبر الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني الذي اغتاله الموساد الإسرائيلي سنة 1972 في منطقة الحازمية (شرق بيروت)، الأكثر حضوراً في رسوم الغرافيتي من بين الأدباء العرب، خصوصاً في المخيمات الفلسطينية اللبنانية والفلسطينية.