يضم معرض يوسف عبدلكي في بيروت ثلاثين لوحة، تمثل اللوحات المشهد الأكثر ملحمية وتراجيدية في سورية الممزقة الغارقة في الدم والموت، لوحات سياسية تحكي الظلم والاستبداد ولكن من دون صراخ سياسي أو كلشيهات فنية أو ثرثرة لونية يستعملها البعض ويحاول استغلالها في  مثل هذه المناسبة.

Ad

يرسم عبدلكي بفحمياته بالوتيرة التي نعرفه من خلالها منذ عقود، منذ أيام الزهرة والجمجمة والحذاء والبطيخة والسمكة إلى الآن، لديه عناصره البركانية المتخفية بالصمت والسكينة والهدوء، بركانيته تحضر في اللوحة والفكرة والمشهدية الحادة والسكاكينية والدموية، نقف عندها، نتأملها بتحديق وروية، ندرك قدر ما تختصر هذه المشهدية من أحداث محيطة بها، ونعرف مسبقاً أنها بتوقيع يوسف عبدلكي، من دون شرح أو تفاصيل.

الجديد في أعمال يوسف عبدلكي الأخيرة أنه يواكب المرحلة، أو المأساة السورية التي بدأت قبل ثلاث سنوات وما حملته من دماء وشهداء ومشاهد تراجيدية، كلها وجدت طريقها لتكون في متن اللوحة العبدلكية، ولتكون اللوحة وما تحمله من استعارات، لا تنفصل عن الاستعارات التي استعملها الفنان في أعماله ما قبل الثورة وما قبل الأحداث، لوحات مقتضبة هي أقرب إلى أعمال نطمح أن تكون ملصقات لمهرجانات، يمكن أن يفهمها ويتواصل مع جوهرها المواطن العادي والنخبوي والعابر، فيها من الوضوح ما يكفي، وفيها من المعاني ما يكفي، ومن إشارات القسوة ما يكفي. تتميز أعمال عبدلكي دائماً بأنها مرسومة بتقنيات خاصة وحرفية عالية، وهي مصاغة بالألوان الفحمية، ولكن من يقترب منها يحسب أنها مصاغة مثل الحلى الذهبية، لوحات لا تشبه لوحات أحد من الفنانين، تجمع بين الموت والألم والتمرد ومفردات الحياة.

يوميات الدم السوري

يضم المعرض أعمالا نفذها الفنان بين 2011 و2013. تتخللها أعمال على علاقة بالحدث السوري الجاري، كذلك فيه متابعة لأعماله السابقة. يوميات الدم السوري وجدت طريقها الطبيعي إلى لوحاته. لم تكن أعمال عبدلكي بعيدةً يوماً عن أحلام الإنسان السوري وانكساراته، لكن الاستعارات التي لطالما رأيناها على شكل أحصنة ووحوش وطيور تظهر بترجماتها الواقعية والقاسية

يوسف عبلكي، هذا الفنان الذي خرج من السجن قبل مدة، لم يجعل من السجن بطل لوحاته، كل أعمال المعرض نفذها قبل السجن. ويعتبر الفنان أنه أمام جسامة الحدث العام لا قيمة لتجربة السجن الفردية. وقال الفنان في العاصمة اللبنانية: {فيه كم عمل (بعض الأعمال) من قبل الحراك الثوري السوري وفيه أعمال... الغالبية العظمى بعد الثورة. الحقيقة بعض الأعمال فيها هذا الهاجس السياسي ورصد فكرة القتل والموت والشهادة}...

ويضم معرض عبدلكي لوحة رسمها للصحافي والمخرج السينمائي السوري باسل شحادة الذي لقي حتفه في حمص أثناء تغطية أخبار الصراع هناك. وأضاف عبدلكي أنه يحاول، من خلال أعماله، أن يرسم صورة للمجتمع السوري بطوائفه وأعراقه وانتماءاته الدينية كافة. واحدة من أعمال المعرض تحية إلى ثورة 25 يناير، فيها فرح وزهو بالحياة، لكن حجم الدمار والقتل والموت في الواقع السوري لم يترك أي حيز يمكن أن يوسم بالفرح.

وكانت السلطات السورية اعتقلت عبدلكي أكثر من مرة. ودخل الرسام السجن في يوليو الماضي حيث قضى نحو خمسة أسابيع، على زعم أنه وقّع عريضة تطالب الرئيس بشار الأسد بالتنحي عن السلطة. وكان عبدلكي قد قضى عامين في السجن قبل 35 عاماً في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد.

يستمر المعرض حتى 8 مارس المقبل.