يوم الأحد الماضي، أعلنت كوريا الشمالية أن عمّ كيم يونغ أون، الوصي المرشد الواسع النفوذ، قد عُزل من السلطة، وبعد أربعة أيام، أدانته محكمة عسكرية خاصة بتهمة الخيانة، فأُعدم جانغ سونغ ثايك.

Ad

تُعتبر الأخبار التي سبقت الإعدام من نواحٍ عدة الأولى من نوعها خلال العقود الأخيرة، فقد أصدرت وسائل الإعلام التابعة للدولة بياناً قاسياً على نحو غير مألوف، فضلاً عن بث تلفزيوني ندد بنمط حياة جانغ "الفاسد" وتآمره المزعوم ضد الحزب.

كان جانغ أحد رجال النظام المخضرمين، ما يجعل هذه الهزة المفاجئة من التطورات الأكثر أهمية في تاريخ كوريا الشمالية.

في أواخر العقد الماضي، كان كيم يونغ إيل، والد القائد الحالي، يعاني مشاكل صحية كثيرة أدت إلى وفاته في شهر ديسمبر عام 2011، ويعتقد الخبراء أن جانغ تولى مهمة المربي، موصلاً كيم يونغ أون إلى العرش ومشاركاً في توجيه الشؤون اليومية.

مع نشر خبر إعدام جانغ، نعتت الرئيسة الكورية الجنوبية بارك جيون هاي القيادة الكورية الشمالية الراهنة "بعهد الرعب"، وحذّرت من أن العلاقات الشمالية-الجنوبية قد تزداد سوءاً.

على نحو مماثل، لم تشعر بكين بالرضا عن طريقة التعامل هذه مع رجل كان شخصية بارزة وراء صفقتي التجارة الصينيتين ومنطقة اقتصادية خاصة يُعتبر هذا البلد مستثمراً كبيراً فيها. يوضح أندري لانكوف، خبير في الشؤون الكورية الشمالية في جامعة كوكمين في سيول، أن عملية الإعدام هذه تمثل هجوماً "خطيراً" على الصين.

كما هو متوقع، عقب عزل جانغ من السلطة سيل من التقارير المقلقة (وغير المثبتة): شائعات عن انقسام عقائدي بين قادة الحزب الأبرز، وعمليات بيع ذهب محتملة لتفادي فوضى اقتصادية، وأخبار عن فرار مزعوم لمساعدة بارز، ولكن إذا تأملنا في الأوضاع عن كثب، فقد نلاحظ على الأرجح أنها ليست كما تبدو في الظاهر، حسبما أكّد بعض المراقبين لموقع GlobalPost.

يعجز الخبراء عن اختراق الحجاب الكثيف الذي يلف سياسة النخبة الكورية الشمالية؛ لذلك يطرحون نظريتين رئيستين محتملتين بشأن مغزى التطورات الأخيرة (فضلاً عن فيض من وجهات النظر التي تتأرجح بينهما)، ولكن لا يُعتبر أي من هذين السيناريوهين جيداً بالنسبة إلى عالم قلق بشأن هذه الدولة المارقة التي تملك أسلحة نووية، فيعتبر البعض أن عملية التطهير هذه تعكس، على ما يبدو، صراعاً داخليّاً على السلطة قد يؤدي إلى الفوضى والانهيار.

في المقابل، يعتقد آخرون أنها تؤكّد رواية أزلية: بما أن الملوك يقضون غالباً على الأوصياء عليهم، فربما قرر الدكتاتور الشاب التخلص من احتمال أن يُضطر إلى الحكم صوريّاً، فعزز بذلك سلطته على جيل من القادة العسكريين المسنين، جيل بدأ يتقلص. بكلمات أخرى، هذا عمل مألوف بالنسبة إلى حاكم مستبد لا يرحم.

إليكم ما يعنيه هذين الاحتمالين بالنسبة إلى تلك المملكة الغامضة.

السيناريو الأول: تنحدر كوريا الشمالية نحو الفوضى

يذكر أحد معسكري المراقبين أن كيم يونغ أون قائد غير منطقي وحاد الطباع لا يمكن فهمه بسهولة، وعلى غرار والده، من الصعب سبر أغوار عهده، حتى إن بعض قراراته لا يبدو منطقيّاً البتة. على سبيل المثال، لمَ يعمد النظام إلى اختبار صواريخ علانية، منتهكاً عقوبات الأمم المتحدة ومعرضاً بلاده لحصار أقسى؟ ولمَ يُطلق تهديدات وقحة بشن حرب ضد عدوين يتمتعان بقوة عسكرية أكبر: الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية؟

يعتبر المراقبون أن جزءاً من الجواب يعود إلى طباع هذا الحاكم المستبد.

أو بصريح العبارة، تعني معاملة كيم لعمه أن "حاكم كوريا الشمالية المطلق رجل-صبي متقلب يملك ترسانة نووية من دون إشراف أي شخص راشد"، حسبما كتب الخبير جوشوا ستانتون في مدونته One Free Korea.

أتى عزل جانغ وإعدامه بعد ما بدا عملية تطهير متواصلة في صفوف القيادة العسكرية الكورية الشمالية، ما يشير إلى أننا سنشهد المزيد من التغييرات الكبرى، فمنذ شهر يوليو عام 2012، طُرد أربعة قادة منفصلين للجيش، خطوة يعتبرها كل الخبراء غير مألوفة البتة. وماذا بعد؟ إذا قبلنا بهذه الرواية، فلا شك أن هذا الخطاب العلني الصاخب يزرع الخوف في قلوب كبار القادة، وقد يؤدي قريباً إلى عدد من عمليات الفرار.

وفي الحالات القصوى، قد يؤدي الاستياء إلى مؤامرة ضد كيم يونغ أون نفسه، فقد اتهمت وسائل الإعلام الكورية الشمالية جانغ يوم الجمعة الماضي بالتآمر ضد القائد العسكري الأعلى، مع أن هذه قد تكون على الأرجح مجرد وسيلة للتضحية بالرجل الثاني في الدولة، وفق الخبراء.

في مطلق الأحوال، نشأ الصراع المفترض على السلطة على الأرجح نتيجة انقسام عقائدي بين الفصائل الداعمة لجانغ والهيئات الأمنية الأكثر تشدداً، حسبما أشارNew Focus International، موقع إلكتروني يتتبع التطورات بالاستناد إلى مصادر من داخل البلد.

مع حدوث شرخ داخل النخبة الحاكمة، يبدو مستقبل كوريا الشمالية غير أكيد.

حاول كيم يونغ أون المصالحة بين الخصوم ذات التوجهات السوقية والعسكرية من خلال سياسته المزدوجة التي تجمع بين التنمية الاقتصادية والتطور النووي، ولكن إذا كانت النخبة الحاكمة تزداد انقساماً فعلاً، فعلى هذا الحاكم المستبد توقع مواجهة انتفاضة في المستقبل.

السيناريو الثاني: كوريا الشمالية مستقرة على نحو مفاجئ

لا تعكس هذه التطورات تراجع آل كيم، على العكس، تشير هذه النظرية إلى أن السلالة الحاكمة خرجت دوماً منتصرة من شتى المصاعب التي واجهتها خلال العقود الثلاثة الماضية، ولن تكون هذه المرحلة مختلفة.

ما المنطق وراء هذه النظرية؟

استمر حكم قادة آل كيم الثلاثة رغم انهيار راعيه الاقتصادي الأول، الاتحاد السوفياتي، وما تلاه من مجاعة أضعفت جهاز التحكم التام، فلم تتمكن كوريا الشمالية من التعافي تماماً، وأدى غياب نظام رسمي فاعل اليوم إلى بروز شتى أنواع التجارة الخاصة أو ما يُعرف بالتبادل غير المشروع عبر الحدود الصينية.

تؤكد هذه النظرية أن النخبة الحاكمة لا تبدو فجأة كمعسكر منقسم بين العقائد الستالينية والإصلاح الاقتصادي، فبغض النظر عن ميول مختلف المسؤولين الكوريين الشماليين، يبقى همهم الأول الاستمرار بأي ثمن.

نتيجة لذلك، برزت مجموعة من المسؤولين العمليين الذين يتصرفون بطريقة منطقية أكثر مما نظن، ويعمل هؤلاء على منع النظام من التداعي، لكن هذا الطرح يبدّل خلفية الكثير من الحوادث الأخيرة.

ربما يقوم كيم يونغ أون، الحاكم المستبد الشاب (يُعتقد أنه في مطلع عقده الرابع)، بما فعله الحكام المستبدون من قبله: استلام زمام الحكم من وصي واسع النفوذ وتشكيل جيل جديد من القادة العسكريين، حسبما يوضح لانكوف، الخبير في الشؤون الكورية الشمالية.

أخبر لانكوف GlobalPost: "ما من ملك يحب أن يخبره وصي مسن مزعج ما عليه القيام به. وسنلاحظ في السنوات المقبلة أن الكثير من القادة الأكبر سنّاً يخسرون مناصبهم"، ما يجعل قضية جانغ واحدة من قضايا كثيرة.

لكن لانكوف يقر بأن قرار كيم يونغ أون تناول عملية التطهير هذه علانية قد يكون خطأ فادحاً. ويضيف: "ولكن إذا استمر كيم يونغ أون في الحكم لخمس، أعشر، أو خمس عشرة سنة إضافية، يكون حكمه قد أصبح راسخاً".

Geoffrey Cain