اعتُبرت تلك الدراسة مذهلة لأنها ركّزت على استرجاع الذكرى، بدل تشكّلها. فحتى تلك الفترة، أكّدت الأبحاث أن الذكرى غير ثابتة (وبالتالي عرضة للتغيير) خلال الدقائق إلى الساعات الأولى من تشكلها فحسب. ففي تلك الفترة التي تدعى {التثبيت}، تنتقل الذكرى إلى منطقة التخزين الطويل الأمد في الدماغ، وكان الباحثون يعتقدون أنها تصبح في حالة جزيئية مستقرة وثابتة. يوضح كريم نادر، طبيب أعصاب في جامعة ماكغيل في مونتريال: {طوال عقود، ظن الناس أن الذكرى، عندما تعلق في الدماغ، تبقى فيه إلى الأبد}. لكن أظهرت دراسة لويس أن هذا ليس حقيقيًّا: عندما تذكر الجرذ الذكرى المخزّنة، باتت غير مستقرة مجددًا، ما عرضها لخطر الانمحاء.

شملت دراسة لويس فكرة ثورية. إلا أنها لم تحدث ثورة في عالم الذاكرة. نُشرت تلك الدراسة في المجلة العلمية البارزة Science وعملت مجموعة أخرى من الباحثين في الحال على التثبت من صحتها، لكنها عجزت عن تكرار اكتشافات لويس، كما أفادت تلك المجموعة في السنة التالية في مجلة Science أيضًا. وخلال العقود القليلة التالية، نُشرت دراسات تشير إلى أن الذكريات تصبح غير مستقرة عند استرجاعها، إلا أن هذه الفكرة لم تدرج في الكتب العلمية. يوضح نادر: {صدقها جزء من العاملين في هذا الحقل، إلا أن الجزء الآخر رفضها. ومَن رفضوها كانوا الأوسع نفوذًا}.

Ad

يحظى نادر بفضل إعادة إحياء هذه الفكرة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، خلال عمله في مختبر جو لودو في جامعة نيويورك أثناء متابعته دراساته العليا. فقد برهن أن من الممكن محو الذكريات القديمة في حالة الجرذان بإدخال دواء إلى دماغ هذه الحيوانات خلال استرجاعها تلك الذكريات. فبما أن الدواء يعيق عملية البروتين، أكّدت تلك التجربة أن الذكريات تمر بمرحلة {تثبيت} بعد استرجاعها، وأن هذه العملية تتطلب تحليل البروتين (تمامًا مثل عملية التثبيت الأولى).

بخلاف دراسة لويس، هزّت دراسة نادر التي نُشرت في مجلة Nature (2000 ) هذا المجال، خصوصًا بسبب تداعياتها السريرية، فأتاحت هذه النتائج فرصة محو الذكريات المخيفة التي تطارد مَن يعانون اضطراب ما بعد الصدمة، حتى بعد مرور فترة طويلة على تشكّلها.

تأخذ دراسة، نُشرت أخيرًا في مجلة Nature Neuroscience، هذا البحث كخطوة إضافية نحو الأمام. بالتأكيد  تمرّ الذكرى بمرحلة تثبيت ومن الممكن عرقلة هذه العملية بواسطة العلاج بالصدمات الكهربائية.

ذكريات

اختبر نارين كرويس وزملاؤه في جامعة رادبود في مدينة نايميخن في هولندا ذكريات 39 شخصًا يعانون حالة كآبة حادة ويخضعون لعلاج بالصدمات الكهربائية. يملك هذا العلاج النادر تاريخًا ثقافيًّا مشوقًا. يقول كرويس: {يذكّر هذا العلاج الناس بفيلم One Flew Over the Cuckoo’s Nest (1975) تُرغم فيه شخصية (يجسدها جاك نيكلسون) واعية ومعذبة ومتألمة على الخضوع لعلاج بالصدمات الكهربائية في مصح عقلي. إلا أن كرويس يسارع إلى التوضيح: {من حسن الحظ أن هذا العلاج مختلف تمامًا}.

يُعتبر العلاج بالصدمات الكهربائية اليوم حلًّا أخيرًا لمن يعانون حالة كآبة حادة ولا يتجاوبون مع مضادات الكآبة، العلاج النفسي، وغيرهما من العلاجات. يُجرى هذا العلاج في غرفة في مستشفى بعد أن يُعطى المريض مرخيات للعضلات ويخضع لتخدير عام. فيمر تيار كهربائي لفترة وجيزة في الدماغ، مسببًا نوبة. ولأسباب لا يعرفها أحد، يحقق هذا العلاج النجاح عادة. من هنا يتمتع العلاج بالصدمات الكهربائية بمعدل تعافٍ يصل إلى 86% في حالة مَن يعانون كآبة مفرطة، وفق إحدى الدراسات.

لكن كرويس يريد أن يحدد ما إذا كان هذا العلاج يمحو الذكريات خلال التذكّر الناشط، كما حدث في حالة الجرذان في تجربة لويس قبل نحو 50 سنة.

شاهد المشاركون في البداية مجموعتين تتألف كل واحدة منهما من 11 صورة تروي قصة مؤثرة مختلفة. في إحداهما مثلاً، تغادر شقيقتان المنزل لتزورا شقيقهما في حانة قريبة. وخلال عبورهما زقاقًا ضيقًا يخطف رجل إحداهما ويضع سكينًا على رقبتها.

تتبع القصة الثانية البنية ذاتها، إلا أنها تُظهر صبيًّا تصدمه سيارة ليُنقل بعد ذلك إلى المستشفى حيث يخضع لجراحة لإعادة وصل قدميه. وقد وصفت الدراسة هاتين القصتين بأنهما {مؤثرتان جدًّا مع انعكاسات سلبية}. وهي محقة بالتأكيد.

بعد أسبوع من مشاهدة المشاركين هاتين القصتين، عرض عليهم الباحثون الصورة الأولى من إحدى القصتين لينشطوا ذاكرتهم. وبعد بضع لحظات، عرّضوا بعض المشاركين إلى صدمات كهربائية. وبعد هذا العلاج، طُلب منهم الخضوع لفحص ذاكرة عن تفاصل هاتين القصتين.

علاج بالصدمات

أجاب المشاركون، الذين لم يخضعوا للعلاج بالصدمات الكهربائية، عن نصف الأسئلة بشأن القصة التي رأوا إحدى صورها على نحو صحيح، مقارنة بنحو 40% عن الأسئلة عن القصة الأخرى (التي لم يشاهدوها طوال أسبوع).

في المقابل، بدا أن مَن خضعوا للعلاج بالصدمات الكهربائية لا يتذكرون مطلقًا القصة التي ذُكّروا بها. فقد سجلوا 25% على اختبار يتألف من أربعة أسئلة أُدرجت تحتها مجموعة من الأجوبة عليهم اختيار أحدها (تُعتبر هذه النتيجة مماثلة لعملية اختيار الأجوبة عشوائيًّا). إلا أنهم حققوا نتيجة أكبر (35%) عندما سُئلوا عن القصة الثانية التي لم يُذكّروا بها. وهكذا يكون العلاج بالصدمات الكهربائية قد محا بطريقة اختيارية الذكريات التي تُسترجع، تمامًا كما حدث في حالة جرذان لويس.

توضح دانيلا شيلر، عالمة أعصاب في  كلية ماونت ساناي للطب في نيويورك لم تشارك في الدراسة: {هذه دراسة متقنة تقدم بيانات مثبتة، ومن الصعب إجراؤها. من المذهل أنهم حاولوا، وأنهم تمكنوا من تنفيذها}.

ألم وتخدير

عززت تجارب شيلر فرضية التثبيت. على سبيل المثال، أظهرت أن الناس، إذا استرجعوا ذكريات مخيفة ومن ثم عُرّضوا مرارًا لمحفّز الخوف من دون أن يختبروا أي ألم (أو ما يُعرف بعملية الإخماد)، يستطيعون التخلص من الألم العاطفي لتلك الذكرى. وكشفت مجموعات أخرى أن من الممكن تحقيق أمر مماثل بإعطاء الناس البروبرانولول (نوع من حاصرات بيتا) بعيد استرجاعهم الذكرى.

تضيف الدراسة الجديدة العلاج بالصدمات الكهربائية إلى اللائحة. لا شك في أن أسئلة كثيرة لا تزال من دون جواب. على سبيل المثال، لم يتضح بعد ما إذا كان العلاج بالصدمات الكهربائية يحدث خللًا في عملية التثبيت أو إذا كان هذا العلاج بحد ذاته سبب هذا التأثير: لربما يعود هذا التأثير برمته أو في جزء منه إلى التخدير، مع أن الباحثين يستبعدون ذلك. علاوة على ذلك، لا يعلم أحد ما إذا كانت هذه العملية تنجح مع ذكريات قديمة حقيقية، مقارنة مع الذكريات المبتكرة اصطناعيًّا في المختبر.

يخطط كرويس وزملاؤه لإجراء تجربة سريرية يستخدمون فيها العلاج بالصدمات الكهربائية للحد من الذكريات المؤلمة في حالة مَن يعانون اضطراب ما بعد الصدمة. يذكر: {لا بد من التوضيح: ما زال الطريق طويلاً قبل أن يتحوّل هذا العلاج إلى تطبيق سريري فعلي. نواجه صعوبة في تطبيق الكثير من العلوم التجريبية الأساسية في الواقع}.

طرحت على كل هؤلاء العلماء سؤالاً لي ملء الثقة أنهم يُضطرون إلى الإجابة عنه كل أسبوع: متى سنتمكن من محو الذكريات التي نريد، كما في فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind؟

سارع كرويس إلى الإجابة، وهو محق بالتأكيد، أن العلاج بالصدمات الكهربائية يجب ألا يُستعمل إلا كعلاج طبي جدي. وأضاف: {يجب أن يعاني الشخص حالة مرضية ما}.

ولكن في ما يتعلق بالتكنولوجيا وما تستطيع تحقيقه، أخبرني الجميع أن ما من سبب يدفعنا إلى الاعتقاد أننا عاجزون عن تكرار سيناريو Spotless Mind في المستقبل القريب.

تقول شيلر: {ما كنت لأقول أمرًا مماثلًا قبل بضع سنوات. ولكن تتراكم الأدلة على وجود أنواع مختلفة من الذكريات، أنواع التلاعب بها المتعددة، وتنوع الأجناس}.

سواء كان هذا التلاعب صحيحًا أو خاطئًا، يتزايد الطلب عليه. يتذكر نادر ردة الفعل العامة تجاه تقريره في مجلة Science (2000). يقول: {بعد يوم من نشره، راسلت نساء كثيرات جو لودو وطلبت منه: ‘هل يمكن حذف ذكرياتي عن زوجي السابق؟’}.

ولكن هل يقبل نادر القيام بأمر مماثل في حال تقدّمت التكنولوجيا إلى هذا الحد، حسبما يتوقع الخبراء؟ يجيب نادر: {لا اعتقد أن هذا سيكون نهاية العالم، في رأيي}.