تتحدث منال عن ابنتها البالغة من العمر 15 عاماً التي لا تنفك تهتم بشكلها الخارجي فتقول: "ما إن تدخل ابنتي إلى غرفة ما حتى تبحث مباشرة عن مرآة. حتى بت أرى فيها شخصية مزهوة محبّة لشكلها! تناقش في أدق التفاصيل: هل يمنحها سروالها شكلاً جذاباً؟ هل أكثرت من أحمر الشفاه أم يمكنها أن تضيف القليل بعد؟ الأسوأ من ذلك أنها تقلّد بشكلٍ أعمى صورة المرأة الصغيرة النموذجية السطحية التي تسيطر عليها، ولا تأبه لذلك البتة!}

هل هي النرجسية؟ النرجسية أساس الثقة بالنفس وتعود أصولها إلى أسطورة نارسيس، وفقاً لاختصاصيي علم النفس الذين يحدّدون النرجسي بأنه شخص مهووس بذاته، علماً أن ثمة حاجة في المطلق إلى بعض النرجسية لتسير الأمور على خير ما يرام ولتقدير الذات بشكلٍ كافٍ. ولكن هل الاهتمام اليومي المفرط بالشكل الخارجي عادي؟

Ad

 

هوية

تعطي صورة الجسم الشكل الأول الذي يتيح للشخص حجز مكانة له في الحياة وتحديد ميزاته. إلا أن التغيرات البيولوجية تسيء إلى الصورة التي تعكس هوية المراهق. في ظلّ العاصفة الهرمونية، يطرح المراهق أسئلة ويتأكد دائماً من هويته الخاصة ومن أن صورته تناسبه. يذكر أن المراهقة هي مرحلة التغيير التي تُخفي بين طياتها البلوغ وتزيل صورة الطفل التي اعتاد عليها المراهق.

يشير علماء النفس إلى أن هذه التغييرات تُضعِف صورة المراهق عن نفسه وبالتالي نرجسيته، فيبحث عن أسلوب وملابس ومظاهر جديدة ليعوّض من خلالها النقص.

تتغير ملامح المراهق ويختبر التغيير الجنسي الأول، فيما تبدأ الدورة الشهرية لدى الفتاة المراهقة وينمو ثدياها. حتى وإن باتت هذه الأمور ظواهر عادية، إلا أنها تفتقد إلى هدوء الطفولة، وتهزّ المراهق في الأعماق، فينطلق بحثاً عن ذاته مجدداً وفهم معايير جسمه الجديد. من هنا يتخذ اهتمامه بالمظاهر معنى لا يمكن نكرانه أو لومه عليه.  

وسيلة للانخراط

هل يعي المراهق الصور النموذجية وثقافة المظاهر؟ هل يتخيل أن نرسيس تاه يوماً في ذاته من شدة إعجابه بنفسه؟ يؤكد العلماء أن المراهق ليس غبياً إلا أنه مجبر على خوض غمار هذه اللعبة، فهو  يجد نفسه مختلفاً وغريباً حتى عن ذاته، تارةً يتمتع بهوية قوية وبقدرة  على تحمّل نظرة الغير إليه، وطوراً يفضل إخفاء اختلافاته عن الآخرين للانخراط في المجموعة بشكلٍ أفضل، فتمنحه هوية المجموعة دعماً، وتخفي ضعف هويته الشخصية التي لا تزال في طور التشكل والنمو.

يجتهد المراهق ليشبه أفراد المجموعة أياً كان الثمن. في المدرسة، تعتبر العلامة التي يكتسبها في دروسه عامل انخراط وجوازاً اجتماعياً يتحدث باسمه في عالم يثقله الضغط ولا يجد المراهق وقتاً فيه للتعبير عن مزاياه (أنا جذاب، واثق بنفسه...).

أطفال نموذجيون

 

تبقى الصور النموذجية ثابتة رغم التطورات. لا تكتسب الفتاة أنوثتها إلا حين تتأنق وتتبرج وترتدي ملابس تُبرز ملامحها الأنثوية بشكل يجذب الجنس الآخر، في حين يعاني الصبي مشاكل البشرة ويسعى إلى الحصول على جسم ممشوق قوي العضلات يبرز من خلاله رجولته.

رداً على سؤال "لماذا تمارس الرياضة}، في أحد الاستفتاءات النفسية، أجاب ثمانية  مراهقين من أصل 10 أنهم يمارسون الرياضة لينحفوا، لذلك يصعب إلغاء الأسلوب غير المفهوم هذا الذي يسعى المراهق من خلاله إلى إثبات ذاته، فهو طفل نموذجي ويعتقد أن قيمته تبقى صورية ويعّرف عن نفسه عبر مرآة أهله أكثر مما يفعل عبر مظهر الأبطال النموذجيين الذين يُثيرون إعجابه. لا بدّ من تقبّل أن المراهق يجد في المظهر طريقةً جديدة لتحقيق الذات. في ظلّ هذه الاهتمامات، ما السبيل للفصل بين الجيد والسيئ؟ ما السبيل لمعرفة أين يبدأ الشرعي وأين تنتهي الأمور التافهة؟

اهتمام زائد

 

إزاء الوقت الذي يكرّسه المراهقون لمظهرهم، يميل الأهل إلى انتقاد تحرر أولادهم، وإزاء الاضطرابات التي يعانيها الأولاد (بثور وغير ذلك)، يسعى المراهق إلى اكتساب قيمة من خلال الحدّ من معدل الخوف والقلق. وضمن حدود المعقول، لا بدّ من ملاحظة كيف يثابر المراهق على الاهتمام بأمور بسيطة قد تكون أحياناً معاناةً من شيء معين.

وإذ يثير المراهق الذي يستقبل أمور الحياة بثقة بالنفس نوعاً من الاضطراب في العائلة، يميل الأهل إلى تبني مواقف سلبية منه. عام 1968 ظهر توجه جديد دعا إلى منح المراهقين حرية تغيير المجتمع وإثبات صحة طريقتهم في رؤيته بعين جديدة.

آنذاك لم يُقصد أن يُسمح للمراهق بالقيام بما يريد بشكلٍ مطلق، إنما باستحداث مساحةٍ لإقامة حوار معه من دون أي إزعاج. على سبيل المثال، إن كان المراهق لا يذكر شراء الملابس الفاخرة والاستفادة من الحسومات أثناء التسوق أو الرحلات لوصف كيف يمكنه الانتفاع من المبلغ المخصص لشراء هذه الملابس، ويتجاهل أنها لا تخدمه إلا لفترة قصيرة قد لا تزيد عن ستة أشهر كحدٍ أقصى، سيدرك عاجلاً أم آجلاً أن التملّك لا يروي عطشه بل سيجد نفسه تواقاً دائماً إلى تملّك أمور أخرى، فيميل إلى تغيير مركز اهتماماته ويختار آلةً رياضية أو لوزام تقنية تساعده على إبراز ذوقه الفريد والمتنوع.

ثقة بالنفس

في ظلّ اعتماده الثنائية في القيم، يحتاج المراهق إلى ما يُطمئنه. يودّ لو يكبر سريعاً، يرغب في الابتعاد ويخاف الهجران في الوقت نفسه. لذلك من الضروري أن يدرك محيطه حاجته هذه إلى التحرر بينما يُرسل إشارات الحاجة إلى الاعتماد على الغير. لا بدّ من أن يلمس المراهق الثقة التي يوليها أهله له من دون أن يشعر ببعدهم عنه حين يحتاج إليهم.

قد تكون الثقة بالنفس ميزة يختارها المراهق لمقاومة ضغط خارجي لم يعد باستطاعته تحمله. في حالات مماثلة، لا بدّ من أن يعزز الأهل ثقته بنفسه فيؤكدون له أنه سيجتاز ظروفه، وزيادة مستوى تقديره لذاته فيشددون على مواهبه ويساعدونه على العثور على صورته التي يتخيّل أنه يراها في المرآة. المهم أن يعي قيمته الخاصة من خلال الثناء على مساره ومكتسباته وميزاته الشخصية كي لا يعتمد على مظهره فحسب بل ليؤمن بذاته.

 

متلازمة الأبعاد

أشارت دراسة إلى حساسية المراهق إزاء الأسئلة التي تتناول مظهره (الوزن، القامة، المظهر  العام)، وتشكّل الدافع الأساسي لمختلف أشكال الإبعاد التي يعاني منها. في الحقيقة، يرفض المراهقون سخرية الآخرين والإهانات التي يتعرض 65% منهم إليها في المدرسة.

يؤكد المراهقون أنهم عانوا بين عمر 12 و15 عاماً (في المرحلة الدراسية المتوسطة) من السخرية. يُعزى الأمر إلى أن المراهقة هي مرحلة عمرية يحظى في خلالها المرء بفرصة السخرية من الآخرين بحرية. حتى وإن منعت، قوانين الحياة الاجتماعية المهنية، في ما بعد، المراهق من السخرية من الآخرين بشكلٍ علني واضح، إلا أنها تبقى أمراً يعاني مرّه فتيات سمينات وصبية ضعفاء. لكن أياً كانت طبيعة جسدهم، تبقى الفتيات أكثر حساسية تجاه السخرية من الصبية، إذ تحدّ من فرصهن في لقاء الشريك.  

حجة ممتعة – عملية

لا يكون بعض المراهقين ملائكةً! قد يسعون إلى إقناعك بالحجة الممتعة – العملية! أي الحجة التي تحمل المتعة للمراهق والعملية للأهل. فعلى سبيل المثال، قد تسمع مراهقاً يقول: "إن كنت تريدني أن أنجح، لا بدّ من أن أحصل على مفكرة مميزة!}، أو "قد يساعدني جهاز أيباد على مراجعة دروسي في الباص}، أو "بفضل الهاتف الجوال، يمكنك العثور عليّ بسهولة}. تراه يدمج بين الاهتمامات التي يسمح بها الأهل (دراسة، أمن، رفاهية) ويضيف إليها نكهة عاطفية وبعض الشعور بالذنب. إنها حيلة ماكرة فلا بدّ للأهل من أخذ الحيطة.

رهاب الخوف من المظهر البشع

لماذا يهتم المراهق بالمظهر؟

تعني النرجسية شعور الشخص بوجوده كفردٍ متميز عن غيره والتمتع بشخصية تختلف عن شخصيات الآخرين ولا تعني التركيز المفرط على الذات. تختفي خلف المظهر الحاجة إلى الوجود. يدلّ المظهر، الوضعيات، الشخصية الثانية التي يتبناها الفرد على سعيه إلى العثور على ذاته.

 

متى يتحوّل الأمر إلى إشكالية؟

حين يتحول عيب أو شائبة بسيطة (بثور في غير محلّها على سبيل المثال) إلى هوسٍ حقيقي يشعر معه المراهق بأنه عرضة لهجوم قاسٍ يطاول شخصيته. تُعرف هذه الحالة برهاب الخوف من المظهر البشع، فيخشى المراهق أنفه الضخم الذي يلغي وجهه ويلتهمه. يتعين على الأهل في حالات مماثلة أن يعرضوا المراهق على طبيب أو معالج نفسي مخافة تطور الأمر إلى معاناة أعمق يصعب التخلص منها.