غالباً ما يكون الذعر غير متناسب مع السبب الذي يكمن وراءه. عندما يسيطر الذعر عليك يوقظ مشاعر أخرى ومخاوف دفينة عميقة وقديمة ومنسية. للتغلب على القلق، لا بدّ من أن تأخذ في الاعتبار هذه الأمور وأن تدرك أن الحياة الخالية من المخاوف هي حياة وهمية لا وجود لها، وأن الحياة التي تحيط بها المخاوف من كلّ صوبٍ وحدبٍ لا يمكن تحملّها أيضاً. بين هذين النقيضين، يمكنك تتبع طريقك بأكبر قدر ممكن من الهدوء. لماذا تتعرض آليات المخاوف للخلل ولماذا يتسلّم الدماغ العاطفي زمام الأمور والسلطة؟

القلق ظاهرة طبيعية، وغالباً ما يصفه علماء النفس الحديث بآلية دفاع يُراد منها حماية الفرد من خللٍ أخطر.

Ad

أن تشعر بالقلق من فكرة فقدان وظيفتك أمر عادي وطبيعي، وهو مشابه تماماً لخطرٍ محتمل يهددك. على غرار الإجهاد أو الخوف، يُعتبر القلق استجابة للرغبة في البقاء على قيد الحياة، لكن في حال وصل قلقك إلى حدٍ يمنعك من التفكير أو العمل، أو حتى العيش بسلام، فمن الواضح أنك رازح تحت  مشكلة تتطلب حلاً سريعاً.

يدلّ القلق، في علم النفس، إلى حالة من السوء تتجلى عبر شعور داخلي بالضيق والانقباض يترافق، عادةً مع خوف من الحزن أو موت وشيك يجد المرء نفسه عاجزاً أمامهما. لا يُعتبر القلق مرضاً بل مرآة لظواهر عاطفية تتحول، إن استمرت، إلى أعراض قد ترتبط بعلامات خاصة أخرى، تشكل جميعها متلازمة أو تظهر بشكلٍ منعزلٍ، من خلال قلق عام أو عصاب القلق.

يرى المحللون النفسيون أن القلق يخضع لعملية إعادة صياغة، ليتحوّل إلى مظهر سريري يدلّ على صراع داخلي نفسي. أما الفلاسفة الوجوديون فيأخذون في الاعتبار قيمة الاستجواب الذي يتناول الظروف التي أدت إلى القلق.

اختبر البشر جميعهم القلق على رغم صعوبة صياغة تعريف دقيق له، أي تعريف يشمل الجوانب المختلفة. كاذب من يدعي أنه لم يعرف هذا الشعور، سواءٌ أتى على شكلٍ خوفٍ قبل الدخول إلى قاعة الامتحان، أو على شكل تنبّه يعتريه حين يستيقظ ليلاً أو عند سماع صوتٍ غريب في الخارج.

تبقى تلك الأحاسيس التي تشكل جزءاً من الشعور بالخوف والقلق، كالدوخة، الدوار، الوخز، تشوش الرؤيا، انقباض العضلات أو تقريباً شللها، ضيق التنفس الذي يصل إلى حدّ الاختناق، فحين تنتابك تجد نفسك عاجزاً عن استعياب ما يحدث لك، ويشتد القلق بشكلٍ تشعر معه بالهلع ظناً منك أنك  أصبت فجأةً بمرضٍ ما.

قلق فرويد

 

يقدّم سيغموند فرويد نظريات تتناول القلق وتتكامل الواحدة مع الأخرى. يمكن التمييز، عموماً، بين مفهومين للآليات النفسية التي تُعتبر بمعظمها لاوعية وتظهر من خلال العلاج، أو الرسم للأطفال، أو التأمل المتسامي نوعاً ما.

تعتبر النظرية الأولى القلق أحد علامات القمع الثانوية: فالشعور الجنسي يتحوّل إلى أحد أنواع القلق حين يتعرض للكبح والقمع. أما النظرية الثانية فتقول إن القلق إشارة تدلّ على اقتراب وقوع خطر داخلي خصوصاً، فيتحول إلى عملية دفاع يستعملها الـ «أنا» للدفاع عن نفسه إزاء تدفق الإثارة الغريزية: استناداً إلى هذا المفهوم، يسبق القلق الكبح إذاً.

يرتبط القلق الآلي بما سبقه ويُعتبر رد فعلٍ عفوياً يقوم به الجسم إزاء صدمةٍ معينة داخلية أو خارجية. إذاً القلق المرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة البشر، يعتبر خوفاً غير منطقي ترافقه تغيرات عصبية كتلك التي تظهر عند الإصابة بصدمات عاطفية. يجد القلق الذي يشوش الوعي ويؤدي إلى تراجع التفكير والمشاعر، أسبابه في صراع داخلي نشيط، قد تكون المخاوف الخيالية على سبيل المثال محوره. لا بدّ من الإشارة إلى أن القلق يبقى طبيعياً إن كان شعوراً عابراً، إلا أنه قد يتحول إلى عصاب أو ذهان حين يعجز المرء عن التأقلم مع الظرف الكامن وراءه.

القلق رد فعلٍ إزاء خطرٍ أو تهديد معين. علمياً، يُعرف القلق السريع أو القصير الأمد برد فعل يتمثل بالمواجهة أو الفرار، لأن الآثار التي يسببها ترمي أساساً إلى مواجهة خطرٍ معين أو الفرار منه، نتيجةً لذلك يكون هدف القلق الأساسي حماية الجسم.

الآلية العقلية

يرى د. جان هيو (طبيب ومحلل نفسي) أن التأثير الرئيس لرد الفعل المتمثل بالمواجهة أو الفرار من القلق، تنبيه الجسم من احتمال وجود خطر وشيك. بهذا، يبقى تشتت الانتباه الفوري والآلي أحد الآثار المهمة التي تظهر في حالات مماثلة: إذ يتلقى حسّ اليقظة أوامر بمراقبة المحيط لاكتشاف أي تهديد محتمل. بعبارة أخرى، يجد المرء صعوبة في التركيز على المهام اليومية حين يكون أسير القلق. لذا غالباً ما يشتكي ضحايا القلق من تشتت أفكارهم سريعاً في العمل حتى الروتيني منه، ومن صعوبة التركيز ومن مشاكل في الذاكرة.

يشكل ذلك جزءاً مهماً وطبيعياً من رد الفعل المتمثل بالمواجهة أو الفرار، لأن وظيفته تتجلى في تحويل الانتباه عن العمل الذي يقوم به المرء، لتُتاح له فرصة اكتشاف ما يدور حوله وتحديد أي خطر محتمل.

قد يعجز المرء أحياناً عن العثور على أي تهديدٍ واضحٍ قد يُنظر إليه بطريقة ملموسة وعقلانية. لكن عموماً، يرفض الإنسان حقيقة وجود أي تفسير لهذا النوع من الحالات ويطلق العنان للاستبطان، بعبارة أخرى: «إن لم أجد أمراً خارجياً يُشعرني بالقلق، لا شكّ في أن ثمة أمراً سيئاً يحصل معي». في هذا الوقت بالذات، يبدأ العقل باختراع تفسير على غرار: «لا بدّ من أن ألفظ أنفاسي الأخيرة، أو بدأت أفقد السيطرة على نفسي أو أنني على وشك الإصابة بالجنون». طريقة التفكير هذه أبعد ما يكون عن الحقيقة، لأن الغرض من رد الفعل المتمثل بالمواجهة أو الفرار هو حماية الجسم وإبعاده عن أي اعتداء أو عذاب. مع ذلك، تبقى الطريقة هذه قابلةً للفهم والاستيعاب.

لحسن الحظ، تتوافر حلول تساعد على التغلبّ على المخاوف، منها ما يمكن اتباعه بشكلٍ فردي، ومنها ما يحتاج إلى إشراف طبيب أو معالج نفسي ومساعدته.

آليات القلق

يتجلى القلق في ثلاث آليات، قد تهيمن إحداها على الأخريات وتتفوق عليها:

• الآلية الفيزيائية تشمل الأعراض الجسدية مثل: الدوخة، الخفقان، التعرق، ألم في الصدر وضيق في التنفس.

• الآلية السلوكية تتضمن ردود فعل محددة مثل: سرعة المشي، المشي بعصبية مع ضرب القدمين أرضاً وتجنّب الآخرين. خلال نوبات الهلع، تهيمن الآلية الفيزيائية لأن الأعراض النفسية تختلط بشكل خاطئ وبسهولة مع علامات بعض الأمراض أو الإصابات الخطيرة.

• الآلية العقلية تشمل مجموعة من المشاعر الحقيقية كالعصبية، القلق، الذعر، بالإضافة إلى بعض الأفكار: «لا تسير أموري جميعها بخير». للتمييز بين آليات رد الفعل المتمثلة بـ{المواجهة أو الفرار» (من القلق)، تذكّر أن لهذه المشاعر والآليات وظيفة أساسية واحدة، هي تحضير الجسم للعمل فوراً، ويتجلى هدفها المشترك في حمايته.