أطلق الجيش المصري النار مرتَين الشهر الماضي على أنصار الرئيس المخلوع محمد مرسي، قاتلاً أكثر من مئة شخص، وقبل بضعة أيام، طلب قائد الجيش، الفريق الأول فتح الله السيسي، من الشعب المصري النزول إلى الشارع ليمنحوه "تفويضاً" شعبيّاً بهدف محاربة "الإرهاب"، ويوم الأربعاء الماضي، أمرت الحكومة التي يدعمها الجيش القوى الأمنية بتفريق التظاهرات في القاهرة.علاوة على ذلك، يبدو أن الحكومة أعدت العدة لهجوم مميت لا على جماعة "الإخوان المسلمين" فحسب، بل أيضاً على ملايين المصريين الذي صوّتوا لهذه الجماعة خلال العمليات الانتخابية في السنتين الماضيتين. وإذا أضفنا ذلك إلى اعتقال مرسي وآخرين على صلة بـ"الإخوان المسلمين" بتهم كاذبة، نلاحظ أن الجيش مصمم على اقتلاع هذه الجماعة من السياسة المصرية، خصوصاً بعد أن ألقى قادتها وأتباعها في السجن أو حملهم على الاختباء.
لكن الولايات المتحدة، من خلال دعمها المتواصل للجيش المصري، تُعتبر شريكاً في أعماله هذه، ومهما رددنا ادعاءاتنا أننا محايدون ودعونا الأطراف المصرية إلى مصالحة، فإننا منحازون في هذه المواجهة العنيفة المتواصلة، فقد غضضنا النظر عن انقلاب موجّه ضد حكومة منتخبة ديمقراطياً، والأهم من ذلك أننا لا نزال أبرز مساعد للجيش المصري، فرغم تزايد أعمال العنف واتضاح النوايا غير الديمقراطية، تمضي الإدارة الأميركية والكونغرس قدماً في تقديمهما المساعدة السنوية للجيش المصري، التي تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار.يدّعي بعض مؤيدي هذه المساعدة أنها تمنحنا بعض السيطرة على سلوك الجيش، وأن الخوف من قطع المساعدات سيحدّ من ميول السيسي الأكثر تطرفاً ويدفع بالحكومة نحو الاعتدال. لكن الحوادث الأخيرة تُظهر العكس، فلمَ يخشى القادة العسكريون خسارة المساعدة، في حين أن إدارة أوباما لم تلتزم بالقانون الأميركي الذي يفرض عليها قطع هذه المساعدات بعد الانقلاب؟ ولا بد من الإشارة في هذا الصدد إلى أن تأخير تسليم طائرات "إف-16" لا تأثير له.يدرك الجيش المصري أن سياسة الولايات المتحدة نحو بلده شملت ركيزة ثابتة واحدة خلال العقود الثلاثة الماضية، حتى خلال السنوات الثلاث الأخيرة الكثيرة الاضطرابات: بغض النظر عمن يمسك بزمام السلطة (حسني مبارك، والجيش، مرسي، واليوم الجيش مجدداً) وعن سلوك الحكومة، استمرت المساعدة العسكرية بالتدفق. فلم نستخدم مساعداتنا العسكرية لحمل مبارك على إجراء الإصلاحات، كذلك لم نستغلها لنضغط على مرسي ونرغمه على الحكم بطريقة أكثر ديمقراطيةً، ولن نستخدمها للضغط على الجيش لوقف سلوكه العنيف غير الديمقراطي.لا تنجح مصادر النفوذ إلا إذا بدا محتملاً أننا قد نستخدمها، ولكن بالنظر إلى تاريخ الولايات المتحدة الحافل بالدعم الراسخ للجيش المصري، لا تملك تهديداتها بوقف المساعدة أي مصداقية. لذلك ما من أمر في هذه المرحلة قد يبدّل حسابات الجيش إلا القطع الفعلي لهذه المساعدة أو تعليقها. ويكفي أن ندعو مَن ينادون بضرورة مواصلة تقديم المساعدة للجيش بغية الحفاظ على الاستقرار إلى التأمل في السنوات الثلاث الماضية: كانت المساعدة تتدفق بانتظام، وأين الاستقرار؟ يُعتبر الجيش في مصر اليوم القوة الأكثر زعزعة للاستقرار، فقد بات العائق الأكبر أمام أي أمل بالمصالحة السياسية والاستقرار. يرى أنصار "الإخوان المسلمين"، الذين اختاروا السنة الماضية منافسة سلمية في نظام انتخابي، قادتهم اليوم يُلاحَقون ورفاقهم يُقتلون في الشوارع، وكل ذلك على يد الجيش الذي يحظى بالدعم الأميركي. في الولايات المتحدة، يدعو المعلقون جماعة "الإخوان المسلمين" إلى الانضمام إلى العملية السياسية وإلى وقف "حربها مع الجيش"، حسبما ذكر صحافي "نيويورك تايمز" توماس فريدمان. لكن هذه الجماعة وأنصارها لم يختاروا هذه الحرب، فبينما يسعى الجيش إلى إبادتهم، يصعب عليهم التصديق أنهم سيحظون بمكان في النظام السياسي في مصر بعد الانقلاب.لا أمل لنا في قلب هذا الوضع وتوجيهه في مسار أكثر إيجابية إلا بالتوضيح للجيش بشكل قاطع أن الدرب الذي يسلكه راهناً سيقود إلى إنهاء المساعدة الأميركية وإلى العزلة الدولية.لا يُعتبر تعليق المساعدة اليوم مسألة مبدأ فحسب أو التزام بقوانيننا الخاصة، مع أن ذلك بالغ الأهمية بحد ذاته، ولكن على الصعيد الأمني العملي، قد ندفع ثمناً باهظاً في المستقبل نتيجة تواطئنا مع الجيش خلال الأشهر المقبلة.أخبر الرئيس السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب أخيراً صحافي "واشنطن بوست" ديفيد إغناتيوس أن "الإخوان المسلمين" لا ينتمون إلى تنظيم "القاعدة"، فقد نأت هذه الجماعة بنفسها عن العنف والإرهاب خلال السنوات الماضية. لكن هذا الوضع قد يتبدل مع سلوك الجيش الراهن. مَن يعلم كم شخصاً سيعتقل الجيش بعد ويعذّب ويقتل كي يحقق هدفه ويعيد أتباع "الإخوان المسلمين" إلى الاختباء؟ ولكن خلال هذه العملية، قد يُولِّد الجيش المصري جيلاً جديداً من المقاتلين الإسلاميين، وقد يلجأ بعضهم إلى الإرهاب. وعندما يحدث ذلك، ستتحول الولايات المتحدة، الداعم الأكبر والأكثر ثباتاً للجيش المصري، إلى هدف مجدداً.* باحث بارز في "معهد بروكينغز" له عمود شهري في صحيفة "واشنطن بوست".
مقالات - Oped
واشنطن شريكة مع الجيش المصري
08-08-2013
يبدو أن الحكومة المصرية أعدت العدة لهجوم مميت ليس على جماعة «الإخوان المسلمين» فحسب، بل أيضاً على ملايين المصريين الذي صوّتوا لهذه الجماعة خلال العمليات الانتخابية في السنتين الماضيتين.