يصعب أن نحدد مفهوم القصة القصيرة، أو أن نضع لها تصورا يضاهي ما نراه راهنا من كتابات قصصية، إذا كان حديثنا منصبا على أواخر القرن التاسع عشر، فتلك حقبة لها اشتراطاتها، وتأثرها المرحلي بعامل الترجمة، وكذلك ضبابية الرؤية، في ما يتعلّق بفن هو جديد برمته على الثقافة العربية، وقادم على أجنحة الصحافة، لذا نادرا ما نجد اهتماما تاريخياً بالدور الذي أداه الرواد العرب، وهم في جملتهم من مصر، وأرض الشام، من أمثال: جورجي زيدان، ونجيب الحداد، وفرنسيس مراش الحلبي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، فهؤلاء (باستثناء الأخير) كانوا منشغلين بعلوم أخرى من قبيل التاريخ، واللغويات، والمعاجم، لذا تأتي الإشارة إليهم عفوَ الخاطر، أو "مرور الكرام"، إذا كان الموضوع في سياق الحديث عن القصة، الطويلة أو القصيرة، وأما المنفلوطي فقد اعتمد على وجدانياته المؤثرة، ولغته السلسة، مستفيدا في ذلك من جانبين يبدوان متناقضين، هما قراءاته المعمّقة في الأدب العباسي، وأساطين الكتابة النثرية مثل عبدالحميد الكاتب، وابن المقفع والجاحظ، والجانب الآخر يتمثل في المدرسة الرومانسية الغربية التي فتحت أمامه دروبا من الحزن، والتأمل المرير، مما جعل سلسلة مقالاته المنشورة بعنوان "النظرات" مزيجا رومانسيا مؤثرا، جلب إليه الأنظار، وأحاط قلمه بالمحبين والمريدين.

Ad

ولعل الحديث عن هذه البدايات يقودنا إلى علمين آخرين من أعلام القصة القصيرة هما محمد تيمور (تـ 1921) وشقيقه الأصغر محمود تيمور (تـ 1973)، ويعود الفضل إلى محمد الذي رحل في سن مبكرة، في ترسيخ قواعد القصة القصيرة، وإظهارها إلى النور بالأسس الفنية المتعارف عليها راهنا، عبر مجموعته القصصية "ما تراه العيون"، وهي المجموعة التي يعتبرها النقاد حدثا مهما في مسألة ترسيخ قواعد القصة القصيرة، وكان له فضل في التأسيس لفن المسرح في الآداب العربية، وذلك عبر كتاباته النقدية التأصيلية، وتمثيلياته المقدمة إلى الجمهور نصا وأداء، أما محمود تيمور فقد حمل لواء الفن ذاته سائرا على هدى شقيقه، وكان الاثنان متأثرين بالثقافة الفرنسية، والآداب الغربية، على طريقة جميع رواد النهضة العربية، الذين قلما تجد أحدا منهم لا يسافر إلى فرنسا، أو يستقي من علومها. فقد سافر محمد تيمور أول شيء إلى فرنسا بغرض دراسة القانون، ولكنه لم يُوفق، إذ قفل راجعا إلى وطنه، محملا بحب الأدب والفنون، وأما شقيقه محمود فقد سافر إلى سويسرا بداعي الاستشفاء، وهناك نهل من العلوم والآداب الفرنسية والأوروبية ما شاء الله له أن ينهل، قبل أن يعود إلى وطنه، حاملا لواء الأدب، ومكملا رسالة شقيقه.

ويمضي بنا الحال إلى زمن يبزغ معه أسماء أعلام في فن القصة القصيرة في مقدمتهم، طه حسين، والعقاد، اللذان كانا مجايلين لمحمود تيمور، وكذلك توفيق الحكيم، الذي قدم في مرحلة مبكرة "عصفور من الشرق"، ثم انصرف بعدها إلى الكتابة المسرحية، والتأصيل لقواعد هذا الفن وأصوله.

 ويبقى أن نشير هنا إلى علمين آخرين، معهما تنطلق الكتابة السردية العربية، وفن القصة القصيرة إلى آفاق أرحب، وأكثر تقنينا، وإبداعا، هما، نجيب محفوظ ويوسف إدريس.

ويعد نجيب محفوظ، أديب العربية الأول، والأقرب إلى ذائقة جيلها المعاصر، بينما يعد يوسف إدريس أحد مؤسسي فن القصة القصيرة "المشاكسين"، وقد لفت إليه الأنظار إبان دراسته في كلية الطب، وخلبت نصوصه القصصية الألباب، ووجد النقاد فيها صوتا مدهشا، قائما على قواعد فنية، ولم يأت محض الصدفة، أو ضربة حظ عابرة، حتى ان إدريس وبرغم خوضه غمار الرواية والمسرح لاحقا، إلا أن سمة التأسيس، لفن القصة باتت ملاصقة له، وملازمة، لا سيما بعد ترجمة أعماله إلى لغات عالمية، والحديث عن ترشيحه لجائزة نوبل للآداب، قبل أن يفارق هذه الدنيا، وهو في منتصف الستينيات من العمر.